عبدالله البريدي لـ «الحياة»: لن نتقدم ونحن متورطون بـ «السلفية الفلسفية
جريدة الحياة - الثلاثاء, 02 يونيو 2009
الرياض - أسماء العبودي

تخرّج من جامعتين متناقضتين في فلسفتهما، ما بين جامعة الإمام التي تنمي سلوك «التفكير بالدراسة» إلى جامعة مانشستر التي تنمي «الدراسة بالتفكير»، حيث الفارق في الأساتذة والأسلوب والإمكانات، تصالح مع المكان والزمان وتناغم بينهما ومنح لنفسه مسارات مختلفة، يدين كثيراً لفلسفة التنوع التي اكتسبها من البيئة القصيمية، يفترسه التفكير الإبداعي وأحياناً هو من يفترسه، ويؤمن بأننا نستطيع أن نرفع منسوب الإبداع لدى الجميع بمستويات مختلفة، ويجد أن الأمن الفكري يحشرنا في زوايا تفوّت علينا فرصة التشخيص السليم والعلاج الذكي والمعالجة الشاملة، يؤمن بأن الإبداع في التفكير لا يتناسب مع حالة الوصاية ولا يلتقي معها، ويجد أن إشكالات العمل في البيئة العربية تغيّب الأبعاد السلوكية في الإدارة فلا تعتني بدعم الرضا الوظيفي أو الولاء التنظيمي والمواطنة والدافعية الداخلية.

له قراءة مختلفة للحضارة والمدنية والآخر، ويدعو إلى أن نرفض «الفلسفة المتمردة» ونقر بـ «الفلسفة المؤمنة» التي تنسجم مع الإسلام وتؤمن به وتنبثق منه، ويستغرب تسطيح الفلسفة في المجتمع وعداءه لها، علاقته مع الرقيب الإعلامي جيدة بحسب ما يرى لأنه يكتب ما يتلاءم مع مقاسات الصحافة، ويعيب على متنفذي الصحافة كراهيتهم للفلسفة... إلى تفاصيل الحوار:

> ما الذي صاغ فلسفة حياتك؟

- الإسلام، زعماً، أعني ما أفهم أنه يمثل نظرة الإسلام للحياة.

> بين فلسفة المكان والزمان... لمن الغلبة؟

- لماذا نؤسس فكرنا على «الغلبة» و«الهيمنة» و«القوة» في كل شيء؟ أفلا يسعنا التناغم والمواءمة والامتزاج؟ النظرة الصراعية اكتست بها الفلسفة الغربية وأوهمتها بفكرة «الإزاحة»، في كل مسألة له آلة، وهذا خلل كبير، ولو عدنا إلى فضاء السؤال لأمكن القول بأن الزمان والمكان ممتزجان بطريقة مدهشة، فلا معنى لأحدهما من دون الآخر، على الأقل في حدود عقولنا البشرية القاصرة، هما توأمان سياميان، فالزمن لا يعمل إلا إذا حصل على «بطاقة العبور» في «مملكة المكان»، والمكان بلا زمان لا معنى له.

فلو حكيتُ لك عن مكان ما، فإن أول الأشياء التي ترتسم في ذهنك المعالم الزمانية لذلك المكان، أهو في ليل أم في نهار، وفي أي أجزاء الليل أو النهار هو؟ العقل البشري في حدود «التفكير الاعتيادي» لا يطيق أن يفهم المكان والزمان إلا في حالة اشتباك وامتزاج دائمين، نحن لا ندرك عادة معنى «اللازمن» أو حالة «تعطل الزمن»، مع أنه مُتصوّر.

ولتقريب المسألة يمكننا استدعاء مثال بشري: هب أن في يدك ساعة ضبط الوقت للتعرف على الوقت المستغرق في إتمام عملية ِسباق بين مجموعة من الأشخاص، قبل أن تضغط على الزر تكون حالة السباق هي «حالة اللازمن»، وبعد أن تضغط على الزر وتعيد إيقافه مرة أخرى بعد انتهاء السباق نعود إلى «حالة اللازمن» مرة أخرى، إذاً تحكمتَ أنت كبشر بعملية تحريك الزمن وإيقافه في «حدودك البشرية»، فماذا عسانا نقول عن القدرة المطلقة للخالق العظيم؟ قطعاً يمتلك كل شيء، ومن ذلك التعطيل الدائم للزمن، ومن هنا نستوعب لماذا لا يشيخ الناس المنعّمون في الجنة.

> فلسفة التنوع في أهل القصيم هل من خوف على انقراضها؟

- لا أعتقد، لأنني حين أرقب الساحة الفكرية والأدبية في السعودية أجد أن القصيم دفع بأعداد لا بأس بها من المفكرين والمثقفين والكتاب والإعلاميين والحقوقيين والأطباء والمهندسين والفنانين، الشخصية القصيمية «حادة» من جهة، و «قيادية» من جهة ثانية، و «معتدة بذاتها» من جهة ثالثة، وتلك سمات لها إيجابيات وسلبيات، غير أنه يمكن القول بأن مثل تلك الشخصية تركن إلى إطارها الذي تؤمن به، وتسعى بنفَس طويل إلى تحقيق أهدافها وتطلعاتها، ما يغذي التنوع ولا ينقصه، ولكن تلك السمات ليس بالضرورة تفرز تنوعاً مفيداً من دون تشخيص ثقافي دقيق ونقد صارم.

> التفكير الإبداعي هل يلاحقك في علاقاتك الإنسانية؟

- نعم، الحقيقة أنه يفترسني وأحياناً أتوهم بأنني افترسه، أنا أؤمن إيماناً لا يخالطه شك بأننا نستطيع أن نرفع منسوب الإبداع لدى الجميع، طبعاً بمستويات مختلفة، ولكن بشرط امتلاك المقومات الأساسية التي تقوم على الثقة الذاتية والدافعية الداخلية وتوافر مهارات التفكير الإبداعي وبالذات «المرونة الذهنية» وتوسيع مدى الخيال، يمكننا بناء أو تطوير كل شيء من خلال الممارسة الإبداعية.

الأمن الفكري والتضييق

> «الأمن الفكري»... هل يتطلب تحقيقه تكثيف المحاورات والمؤتمرات، أم أن هناك أمراً لم ندركه بعد؟

- من أهم المسائل ألا نتورط في مفهوم ضيق لـ «الأمن الفكري» يحشرنا في زوايا محدودة ما يفوّت علينا فرصة التشخيص السليم والعلاج الذكي والمعالجة الشاملة بكل استحقاقاتها، في نظري الأمن الفكري - كما في أحد أبحاثي - هو: «تأمين سلامة العقول ونتاجها ضد المهددات بكل أنواعها، عبر الجهود الحكومية والأهلية بما يضمن اعتدالها وطمأنينتها ونموها وفعاليتها، لتحقيق غايات المجتمع وتطلعاته والحفاظ على استقراره ومقدراته في ضوء ثقافة المجتمع وثوابته»، دلالات مهمة وكثيرة يكتنزها التعريف السابق.

ثمة شيء آخر يتعلق بضرورة الإيمان بتعقد العوامل والظواهر التي تؤثر بأقدار مختلفة على الأمن الفكري، ما يحتم علينا بلورة أطر بحثية متعمقة وبالأخص منهجية البحث الكيفي (النوعي) بما فيه البحث الأثنوغرافي، والبحث الظاهراتي (الفينومينولوجي)، والبحث السردي، والنظرية المجذّرة.

> لو طلب منك تقويم قبولنا للآخر والتعايش معه... فما منجزاتنا على أرض الواقع؟

- الإنجاز الحقيقي هو أننا شرعنا في الحديث عن «الآخر»، هذه خطوة في رحلة الألف ميل.

> «من حوار الحضارات إلى التواصل الحضاري»... كيف لنا تفعيل هذا العنوان؟

- في حقيقة الأمر نحن لا نحتاج إلى إلصاق كلمة «حوار» أو «تواصل» بجانب «الحضارة»، فالمجتمعات المتحضرة تقوم على قوة الضمير وقوة العلم، وبديهي أن تلك القوتين تقودان حتماً إلى الإيمان بـ «معادلة» الحوار والتواصل والمثاقفة، بخلاف المجتمع الهمجي الذي يتأسس على قوة العضلات في علاقات تقوم على «متراجحة» بالمعنى الرياضي (أكبر من - أصغر من).

> يرى البعض أننا لا نعيش صراع حضارات، وإنما هو صراع مصالح، ما رأيك؟

- هذا سؤال إشكالي إلى أبعد حد ويحتاج إلى تفكيك، ويعتمد الجواب على ماذا نعني بالحضارة وما نعتمده من مكوناتها وسماتها ومراحلها. وهذا السؤال موجَّه بطريقة غير مباشرة، فكأنه يفترض أن الحضارة لا مصالح لها، وأن أهلها لا يسعون إلى تحقيق مصالحهم، وهذا غير متصور، والفصل بين الأبعاد النفعية/ البرغماتية، والأبعاد الثقافية/ الحضارية أمر عسير للغاية، وكثيراً ما يختلط هذا وذاك بأقدار مختلفة، وبمحرضات متنوعة.

وما يهمنا هو محاولة تفهم طبيعة كل حضارة وغاياتها الكبرى وسماتها المحورية التي تشكّل طريقة تفكيرها الحضاري ومعايير أدائها الحضاري وما يرتبط به من أخلاقيات التعامل مع الآخر، بعض الحضارات ذات أبعاد تمددية/ امبريالية، وبعضها ذات أبعاد تنموية/ داخلية، ونحن لا نطيق أن نغيّر حركة «الرافعات الحضارية» أو طريقة عملها، فهي تخرج عن نطاق صلاحياتنا أو قدراتنا في «الهندسة الحضارية»، هذا التفهم على النحو السابق أمر صعب للغاية، ويتطلب جهوداً تراكمية كبيرة.

كما أنه يجب علينا تكريس العقلانية والصدقية قدر المستطاع، وأن نعول على «الفئة المتحضرة الحقيقية» في كل مجتمع، فهم الأدوات الفعالة لدفع أو الحد من تأثير التفسيرات المتطرفة أو الآراء غير العقلانية، بجانب الترصد للعمليات اللا أخلاقية التي تصدر عن الأنا تجاه الآخر، أي أنهم يتوجهون لنقد حضارتهم وثقافتهم، لتكون أكثر إنسانية وصدقية وعقلانية في إطار ما ترتضيه من معتقدات وقيم.

الاسلام والاصلاح

> كيف يتأتى لنا أن نطرح «الإسلام» كمشروع في الحركة الإصلاحية لأوضاع العالم المتردية؟

- بغير اللجوء إلى طروحات «المدرسة الحضارية» نحن لا نطيق التحرك في مسار طرح الإسلام كبديل إصلاحي في مجال ما أو بشكل عام، فهي القادرة على اكتشاف الوجه الحضاري في الإسلام، والتعرف على معادلة الفعالية الحضارية، كما أن تلك المدرسة تفرّق بين مقام «الدعوة إلى دين الإسلام»، ومقام «الانتفاع من فلسفة الإسلام» في مجال أو آخر، وتدرك أن المقامين يمكن أن يطبقا بشكل متوازٍ وبطريقة ذكية تتلاءم مع الأحوال والمعطيات والمنعطفات التاريخية ومزاج الشعوب والصور الذهنية التي تتراقص في أذهانها.

> التفكير الإبداعي هل سنصل إليه في ظل الوصاية المطلقة؟

- التفكير الإبداعي يتأبى على الوصاية بكل أشكالها، ما لم تكن وصاية نابعة من الثوابت الدينية الصحيحة، فهو يحيلها إلى محددات أو قيود لازمة، ينجم عنها وقود يُشعلُ فتيلَ الإبداعِ ويلهبُ أوراه في رحلة فكرية تتمرد على التفكير المقنن أو الذهنية الخطية إلى اللحظة التي تشرق فيها «الفكرة الإبداعية»، وتبزغ في سياق يطفئ اللهيب في ذلك المسار، مشعلاً إياه في مسارات أخر في صيرورة لا تنقطع.

> البرامج التدريبية هل لها تأثير طويل المدى في إثارة الدافعية نحو العمل؟ وما هي إشكاليتنا تجاه العمل؟

- النظرة القديمة للتدريب كـ«كلفة» تغيرت، إذ ينظر إليه الآن كـ«استثمار» في «الموارد البشرية»، وتنفق الشركات الأميركية قرابة 2 في المئة من مصاريف الموارد البشرية على برامج التدريب، وتعتمد درجة تأثير تلك البرامج وحجم التأثير على الجودة في عمليات تحديد الحاجات التدريبية وتصميم البرامج وتنفيذها، ومن ثم قياس مستوى فعاليتها، هي منظومة متكاملة، ويدخل فيها ما نسميه بـ «الاستعداد والدافعية» لدى المتدربين، فهي حجر زاوية في نجاح التدريب.

أما البرامج التدريبية الضعيفة أو «الديكورية»، فأثرها موقت كوخز الإبرة، وأحياناً نلجأ إلى ما أسميه بـ «التدريب الخرافي» كالبرمجة اللغوية العصبية ونحوها، ومن أهم إشكاليتنا في العمل في بيئتنا العربية تغييب الأبعاد السلوكية في الإدارة، فمَن يعتني - مثلاً - بتدعيم الرضا الوظيفي والولاء التنظيمي والمواطنة التنظيمية والدافعية الداخلية؟ فضلاً عن قياسها وتتبع أنماطها ومستوياتها.

> الأسلوب التشاركي على المستويات كافة هو ما سيجعلنا نتجاوز المشكلات المجتمعية... هل نفتقد هذا الأسلوب؟

- المصيبة ليست بافتقاد الأسلوب التشاركي فحسب، بل في غياب الشعور بالحاجة إليه أصلاً، لم يفلح الوعي الثقافي حتى الآن في تحريك كوامن السلوك الديموقراطي بشكل حقيقي في مجتمعنا، والعجيب أن أي تقدم يتحقق في هذا المجال يكون في الأغلب لأمور خارجية، لم نصنعها نحن، بل ربما حاربناها أو همشناها بطريقة أو بأخرى.

لم نتفاهم نحن والعالم

> بصورتنا الحالية... هل استطعنا الوصول إلى مرحلة تفاهم مع العالم؟

- لم نصل بعد، ولا أعتقد بأننا سنصل إلى أي تفاهم إذا استمر أداؤنا الثقافي كما هو عليه، التشخيص الثقافي الحضاري في غاية الضعف، وليس لدينا المقومات الأساسية للتراكمية الواجبة في مجالات العلوم والفكر والثقافة، فلو أخذنا على سبيل المثال مبحث «الاستغراب» الذي طرحه بعض المفكرين كحسن حنفي لم يجد منا أي دعم أو مبادرات لتبنيه وتطويره، كيف يسعنا تغيير صورتنا ونحن لا ندرك كيف يفكر العالَم؟

> أي الأبواب أسرع لنصل بالتفكير الإبداعي للعقلية السعودية؟

- العقلية السعودية من حيث الأصل كأي عقلية أخرى من حيث قابليتها للإبداع، في البرازيل تم اعتماد «وزارة الذكاء - Intelligence Ministry» - يقوم عليها بروفيسور في مجال التفكير-، ونحن قد نتصدق على الناس بما يدبغهم بالغباء الدائم أو الموقت عبر طروحات فكرية وقوالب تربوية واجتماعية تهمّش الإبداع وتقلل من شأنه وتضيق عليه، ثمة من يقول إن الخير كل الخير في تقليد من «سبق» في تكريس للتقليدية والجمودية واغتيال للإبداعية، لن نتقدم كثيراً ما لم نجتز مثل تلك الطروحات والقولبة الرديئة.

> كيف ترى مستقبلنا في عالم متغير؟

- المشكلة الكبرى تكمن في كيفية نظرتنا إلى المستقبل، فنحن لا نستضيف المستقبل في موائد تفكيرنا، فالتاريخ يحتل المائدة وربما أتاح لنا هامشاً صغيراً للتعارك مع «بعض» الحاضر، وذاك ناتج من أننا لا نقلق البتة حول المستقبل من جراء تأثير بعض المفردات الثقافية، ومنها الفهم المغلوط لمسألة «القضاء والقدر»، حيث تُورث الأكثريةَ شعوراً بأن كل شيء مقدّر ومن ثمة لا حاجة إلى القلق حيال مستقبل الوطن/الأمة.

والصحيح أن القضاء والقدر لا يلغي «القلق الجمعي الضروري» تجاه المستقبل بطريقة تدفع إلى بذل الأسباب واستفراغ الوسع في تشكيله بحسب المراد، بدليل أن «القلق الفردي» حاضر على خريطة الإنسان تجاه «مستقبله الشخصي»، وهنا أتذكر كلمة لعالم المستقبل والناشط روبرت جنجك Robert Jungk الذي صحّح مقولة وردت في مؤتمر عُقد لحل مشكلة عام ألفين، فقد قال أحدهم: يجب أن نعمل للحاضر وألا نقلق بصدد عام ألفين، فرد جنجك: «لأننا قلقون بصدد عام ألفين دعونا نفعل شيئاً الآن».

وثمة من يوهمنا بأن مستقبلنا مربوط بشكل «خطي» بالمستقبل الغربي، وخطية المستقبل العربي خرافة لا تصمد أمام البحث العلمي، ومشكلة ثالثة تتجسد في أننا ننظر إلى المستقبل كمتغير مستقل، والصحيح أنه متغير تابع، جرياً وراء شعار لا يدركه غير الأذكياء الذين ينتجون قلقاً كافياً تجاه المستقبل: اصنعوا مستقبلكم قبل أن يصنعه لكم الآخرون.

> التغير أول مفاتيح التفكير المبدع... لماذا تأخذ هذه المسألة وقتاً لدينا أطول من غيرنا؟

- أول مفاتيح التفكير الإبداعي هو الإيمان به، ثم يأتي دور «المرونة الذهنية» التي تمكّن الإنسان من التغيير والنظر في كل الزوايا الممكنة، ومن سمات الإبداع أنه «تفكير غير خطي»، ما يجعلنا نعود إلى الوراء ، فنقوم - مثلاً - بإعادة تعريف المشكلة أي النظر إليها من زاوية جديدة، وقد يتطلب هذا وقتاً أطول، لا مشكلة البتة في الوقت إن كنا في المسار الصحيح للإبداع.

> هل سبب ازدهار الحضارة الغربية هو تأصيل الفكر الفلسفي؟

- تطور الفكر الفلسفي من أسباب ازدهارها بلا شك، وجانب آخر هو القدرة على إحداث التراكمية في حقول العلوم ومباحث الفكر، كما أن المجتمعات الغربية تلبست بسمات المجتمعات الأكثر ذكاء، ما جعلها تفلح في رفع منسوب الذكاء الجمعي، في حين اكتفينا نحن بجمع من الأذكياء، وبدلاً من أن نصدر عنهم نقوم بتصديرهم عقلاً وجسداً.

الفلسفة والدين

> الفلسفة والدين، من جعل اللاتوافق قائماً بينهما؟

- ثمة إشكالية كبيرة حول علاقة الفلسفة بالدين، وأعتقد بأن الاعتراف بها شرط لتجاوزها، تاريخ الفلسفة وحاضرها يحمل تمرداً على الدين أو خروجاً عنه أو تهميشاً له أو نظرة ازدراء إليه بأقدار مختلفة، بل إن بعض الفلاسفة أسسوا اتجاهات ومواقف عدائية تجاه الدين، وذلك له شواهد تاريخية ومعاصرة كثيرة.

مما يجعلني أؤمن بضرورة أن نعلن: «أن كثيراً من الإرث الفلسفي معروض للتقبيل بلا مقابل»، فنحن يجب أن نرفض «الفلسفة المتمردة» ونقر بـ«الفلسفة المؤمنة» التي تنسجم مع الإسلام وتؤمن به وتنبثق منه، فتعرف بذلك حدودها ووظائفها، وتمارس أعمالها بأدواتها المميزة من دون افتعال أي خصومة مع الدين أو مزاحمة له في أدواره ومجالاته، لقد أمّن الإسلام جبهةً كانت وما تزال تصدّع الفلاسفة وتغويهم وهي الميتافيزيقيا، فقدّم لنا إجابات حاسمة نهائية بأدلة قاطعة في شكل حقائق نسلّم بها من دون جدل أو شك أو تردد، وترك لنا الإسلام الجبهات الإنسانية والاجتماعية والطبيعية لنشغّل بها فلسفتنا ونباشر بها عبادة التدبر ونسك التأمل.

أنا أدرك بأن مثل هذا التحليل قد يُغضب غلاة الفلاسفة أو المشتغلين بالفلسفة بجانب الغلاة في الضفة الأخرى وأعني المعارضين للتفكير الفلسفي باعتباره هرطقة أو فناً لا يفيد، ولكن هذا لا يعنيني بقدر ما يهمني الوصول إلى الحقيقة التي تتناغم مع ديني وتفلح في تفعيل إمكاناته الهائلة في هندسة الحضارة المعاصرة.

> السلفية الفلسفية هل تحبط مشاريع التنمية؟

- «السلفية الفلسفية» نمط فكري منتشر في عالمنا العربي ومن أبرزها السعودية، وهو نمط فكري يتوهم بأنه يتعاطى مع الفلسفة، في حين أنه مستغرق أو متورط في تاريخها، بحقولها ومدارسها ورموزها ومقولاتها وأفكارها، السلفية الفلسفية أخفقت في استيعاب حقيقة أن الفلسفة ليست كالعلم، فالفلسفة لا تقوم على «التراكمية الرأسية»، بل على «الإثراء الأفقي».

ويعني هذا أن الفلسفة تسير بخطوط أفقية تتيح للفيلسوف ألا يبتدئ من حيث انتهى إليه الآخرون، بل يبتدئ من أي نقطة يرى فيها بداية صحيحة لفلسفته، كما أنه يختار أو يصنّع بنفسه أدواته ومفاهيمه التي تعينه على الظفر بالجوهر وتفتيت التعقيد مما يوصله إلى حالة من ملامسة الحقائق بل ربما أوغل في الإحاطة بالحقائق بطريقة تقوده إلى الحقائق بأبسط صورها أو ما أسميه بـ«عمق البساطة».

ومن هنا فالفيلسوف لا يحتاج إلى ذاكرة ضخمة يختزن فيها «الرصيد الفلسفي» بقدر ما يحتاج إلى قراءات معمّقة في الفلسفة لاسيما إبان مرحلة التكوين لصقل الملَكَة الفلسفية وتنمية الموهبة الفطرية، وقبل هذا وذاك فالفيلسوف لابد أن يكون صادقاً في فلسفته مخلصاً لها، معلياً لشأن الحقائق مع قدرة فائقة على فرزها وتصنيفها واستفزازها، في ضوء التوصيف السابق للسلفية الفلسفية، يمكن القول بأن خطر «السلفية الفلسفية» على مشاريع التنمية أكبر من عدم الممارسة الفلسفيــة، كـ«البترجي» الذي يتوهم أو يوهم غيره بأنه طبيب جراح، ومن المفارقات أن أكثر الليبراليين المشتغلين بالفلسفة هم من سلفيي الفلسفة.

> بين فرض العين وفرض الكفاية تاهت قضايانا، ما رأيك؟

- ذاك تقسيم بديع للفروض الفردية والجماعية يضمن الوفاء بالواجبات والإتيان على كل الوظائف في نطاق المجتمع في أي مجال كانت، ما يحقق درجة عالية من التكاملية وحسن التوزيع وتخصيص الكفاءات وتفعيل الطاقات، ولكننا للأسف لم نلتزم به، لأسباب كثيرة منها الجهل بفلسفة ذلك التقسيم، وترسّخ الأنانية وشيوع التهميش لأعمال أو مهام محددة بحجج متنوعة، كتغليب الدراسات الإسلامية على حساب التخصصات الأخرى كما عند البعض باعتبار أنها أفضل العلوم وأن الأجر محصور أو موفور في طلبها وتحصيلها وترجيح التفسير المنحاز لبعض النصوص الدينية بطريقة تهمّش العلوم الأخرى كالنص القرآني الكريم (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، مع أن العالِم في العلوم الطبيعية - على سبيل المثال - قد يتوافر على معرفة تفصيلية تجعله يقف على عظمة الصانع وبديع الصناعة وروعتها بطريقة تورثه إيماناً راسخاً وخشية مُنتجة.

> فلسفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هل يحيط بها أهل الحسبة كما يجب؟

- طرفا المعادلة يجب أن يحيطا بتلك الفلسفة جيداً، أقصد المجتمع وأهل الحسبة على حد سواء، ثم ما الذي يمنع من إيجاد تقنين دقيق لعمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويأتي هنا دور العبقرية التشريعية، ما يؤكد على مبدأ فرض العين وفرض الكفاية، فنحن كما يبدو لا يتوافر لدينا عدد كافٍ من القانونيين والحقوقيين ذوي العقول الجبارة الذي يمكن لهم أن يصنعوا لنا تقنيناً متماسكاً.

> الفلسفة امرأة عانس، هكذا وصفها أحدهم مرة، ما تعليقك؟

- الفلسفة حورية يتجدد شبابها، غير أنها حادة الذكاء موفورة الصحة ومهرها غالٍ، ولذا فلا يطيق كل أحد التفكير فيها أو استراق نظرات إليها، فضلاً عن التقدم لها، ما يجعلهم يرمونها بكل نقيصة.

> لماذا أهل الفلسفة لا ينالون حظهم في صحافتنا وإعلامنا كما يجب؟

- بسبب الجهل المطبق بالفلسفة في الصحافة والإعلام، وليس صحيحاً أن المتشددين هم وحدهم من يعادي الفلسفة، بل ثمة عداء لها من كثير من المتنفذين في الصحافة من جراء انطفاء الأنوار الفلسفية في أذهانهم، وأعتقد بأن معظمهم سيرسبون في اختبار ألف باء تاء الفلسفة والعجيب أن ثمة إقصائية للفلسفة لدى شرائح واسعة في مجتمعنا العربي، فالمعلق الرياضي حين يروم توبيخ اللاعب الذي يُضيع الكره بأنانية أو بتذاك أكبر مما ينبغي، يقول له: يا أخي بلاش تفلسف وهذا انعكاس لتهميش الفلسفة في الصحافة والإعلام، حيث تنعدم سبل التوعية بالفلسفة وأهميتها وأدواتها وطرائق تفكيرها وإسهاماتها في تقدم العلوم في كل حقوله ومجالاته عبر مباحث نظرية المعرفة «الإبستمولوجيا» وأسئلتها التي تنغّص على سكونية العلوم وكمالها الزائف وتفضح غرورها وأوهامها وأشكال دجلها، بجانب قدرة الفلسفة الفائقة على تفتيت التعقيد في الظواهر الإنسانية والطبيعية بشكل حر بعيداً عن تعقيدات المنهج «العلمي» وقيود «الأكاديميا».

 

جامعة الإمام «حبست» كتب القاهرة في «الكراتين»... وحرمتنا من «الحواسيب»

لا يجد الدكتور عبدالله البريدي مجالاً للمقارنة بين جامعة الإمام محمد بن سعود (التي حصل منها على البكالوريوس) وجامعة مانشستر (التي أنهى فيها الدكتوراه)، ويؤكد:«الحقيقة أنه لا مجال للمقارنة مع جامعة الإمام بل مع عموم الجامعات السعودية، فالجامعات الحقيقية العريقة كجامعة مانشستر تقوم على مبدأ «الدراسة بالتفكير»، أما جامعة الإمام وأخواتها فكانت تنمي لدينا سلوك «التفكير بالدراسة»، فوارق كبيرة للغاية، أذكر أنه جُهّز معمل حاسب آلي في جامعة الإمام - فرع القصيم (حواسيب بنظام الدوس) في آخر سنة لي في الجامعة فكدنا نفقد عقولنا، اذ شعرنا بأن ثمة فرصة ذهبية جعلت تلوح في الأفق لتعلم شيء عن الحاسوب، فما كان من بعض الإداريين إلا أن أصروا على إغلاق المعمل بحجة «أن الطلاب سيخربون الأجهزة». كما أنني أذكر جيداً أنه تم شراء كتب متخصصة لمكتبة فرع الجامعة من معرض القاهرة الدولي فبقيت الكتب محبوسة في «الكراتين» مدة تزيد على العقد، وهل أتحدث عن سلوك الأساتذة وكيف تجد العون والتقدير من المشرفين هناك، مع التلبس بالتواضع الذي بتنا نفتقده حتى من أصغر المعيدين في جامعاتنا وأشياء أخرى كثيرة.

ومن المفارقات ذات الدلالة في هذا السياق أنه لما مُنعنا من استخدام تلك الأجهزة في الجامعة رحت أقنع والدي «الأمي» بشراء جهاز حاسوب، فلم استغرق أكثر من دقيقتين أو ثلاث، مع أنه كان مكلفاً في تلك الأيام، كانت الجامعات فاقدة لمقود التغيير في المجتمع الذي كان يسبقها بمراحل، ولكن قد يُقال: فتحت الجامعات الآن معاملها لطلابها وأفرغت كراتين الكتب في رفوف مكتبتها، ولكن أين هو الآن، أعني: المجتمع».

وعما إذا كانت فلسفات جامعة الإمام تزعجه، يقول:«في أيام الدراسة الجامعية، لم يكن ثمة «نتاج فلسفي» بقدر ما كان هناك «استهلاك فلسفي»، فقد كنت في تلك الفترة أتعاطى الكتب الفلسفية بشكل مباشر أو من خلال كتب المنهجية العلمية أو كتب التفكير أو علم النفس لاسيما في نهاية المرحلة الجامعية، غير أنني لم أكن امتلك في كثير من الأحيان الجرأة للصدع بتلك القراءات فضلاً عن الآراء أو التصورات المبدئية حيال بعض المسائل، وحين أبادر بشيء من الإفصاح كان يجب عليّ أن أصغي للنصائح وربما قوبلت بشيء من «التخويف الفكري» بالإشارة إلى أن مثل تلك القراءات هي بداية طريق الانحراف أو الإلحاد، لم يكن ثمة أكثر من ذلك».