مقدمة كتاب "التطوع اللغوي" بقلم المحرر الأستاذ الدكتور عبدالله البريدي

 

 

  

قد يصح منا القول بأنه لو حُللت "الأحماض الأمينية" للمجتمعات المتقدمة لأظهرت النتائج بأنها تتكون من "بروتينات الفاعلية المجتمعية"؛ التي تضمن لها "البناء والنماء والبقاء"، وكما أن الجسم لا يقدر على إنتاج كافة الأحماض التي يحتاج إليها؛ فإن المجتمع لا يطيق إنتاج تلك البروتينات من مؤسساته الرسمية فقط؛ بسبب تعقد الحياة المعاصرة وكثرة متطلباتها وتجدد تحدياتها، الأمر الذي يضطره إلى أن يلوذ بنوع من "البروتينات الخيّرة" التي تصنّعها مؤسساته المجتمعية وكياناته غير الرسمية، فردية كانت أم جماعية.

 

ومثل تلك البروتينات باتت تسمى اليوم بـ "التطوع"، إن في الأدبيات العلمية أو الممارسات التطبيقية، وأضحت المجتمعات المتقدمة حريصة على تعزيز الاتجاهات الإيجابية والسلوكيات الحميدة تجاه الأعمال التطوعية في مختلف المجالات، وشرعت في حقن شرايينها وعضلاتها بما يشبه "المكملات الغذائية" لضمان أكبر قدر ممكن من حماية الفاعلية التطوعية المجتمعية ورفع منسوب مناعتها، فظهرت مؤسسات تُعنى بالتطوع وفق تشريعات وآليات ميسرة لأعمالها وأنشطتها، وخُصّصت مجلات علمية محكّمة لأبحاث التطوع النظرية والتطبيقية، فضلاً عن برامج تدريب وتطوير وتوعية للشرائح الاجتماعية المختلفة.

 

ونحسب أنه قد حان الوقت للتحدث بصوت عالٍ عن التطوع في مجال خدمة اللغة العربية، وذلك أنها تعيش في سياقات تتطلب تفعيلاً ذكياً لكافة الطاقات الكامنة والخلاّقة؛ بما يجعلها قادرة على استغلال الموارد المتاحة والفرص المواتية، ومواجهة التحديات القائمة والمحتملة؛ وفق منظور استراتيجي. وقد أحسن صنعاً مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية – ومقره في الرياض- حين أدرج موضوع التطوع في المجال اللغوي ضمن سلسلة الكتب المحررة[1] التي قرر إصدارها، ولا سيما أن حداثة الموضوع تجعل من هذا الكتاب الأول من نوعه في المكتبة العربية، وتلك لعمري مهمة شاقة، كدنا أن نشفق  على أنفسنا من تحملها، بيد أننا قبلنا بهذا التحدي وتوخينا تقديم إسهام علمي "أولي" في هذا المجال المستحدث، عله أن يشجع الباحثين والباحثات على إسهامات أكثر بلورة ونضجاً، وحسبنا أننا أوقدنا شمعة في زوايا معتمة أو شبه معتمة، أو هكذا نظن.

 

من المهم الإشارة إلى الخطوات المنهجية العملية التي اتبعناها لتأليف هذا الكتاب، والتي يمكن إجمالها في عشر خطوات، وذلك كما يلي:

1.    في البداية اختار المركز أن يكون هذا الكتاب من نوع "الكتب المحررة"، ثم حدد الموضوع العام للكتاب، وهو: التطوع في مجال خدمة اللغة العربية.

2.    وضع المركز مجموعة من الضوابط والمعايير والأدوار لكل من المحرر والباحثين المشاركين في الكتاب، وقد تضمن ذلك عددَ المحاور، والتي يفترض ألا تقل عن أربعة ولا تزيد عن ستة. 

3.    خاطب المركز المحرر وعرض عليه فكرة الكتاب وكيفية العمل وتواريخ التسليم المستهدفة وآليات النشر والطباعة ونحو ذلك مما له علاقة بالتعامل مع الباحثين والتواصل معهم. وقد قبلت وشرفت بمهمة تكليفي محرراً لهذا الكتاب، مع الإشارة إلى أن تواصل المركز كان عبر مدير مشروع الكتب المحررة (الأستاذ خالد الرفاعي).

4.    في بواكير المشروع، ألح "التفكير الاصطلاحي" على المحرر واحتل بوابة التخطيط والتصور والبلورة لملامح الكتاب، وأمسى يضغط باتجاه البحث عن إمكانية ولادة مصطلح جديد في سياق بحثي غير مطروق، وبخاصة أن المركز طرح عنواناً أولياً وليس نهائياً للكتاب، وقد تمثل في  "مسارات التطوّع في مجال خدمة اللغة العربية". وبعد فترة لم تطل طويلاً، استقر ذهني على مصطلح "التطوع اللغوي" الذي رأيت أنه يصلح لحمل أفكارنا وحماستنا تجاه الفعل التطوعي لخدمة اللغة العربية، وقد استحسنته أيضاً عنواناً لهذا الكتاب[2].

5.    وضع المحرر المحاور المقترحة ثم بحث في قائمة ليست طويلة من الباحثين المناسبين لهذا الكتاب مع حرصه على التنوع الفكري والتخصصي والتمثيل الجغرافي على المستوى العربي. وبعد ذلك تم رفع المحاور والباحثين المقترحين للمركز للاعتماد، وبعدها تولى المحرر التواصل المباشر مع الباحثين، والاتفاق معهم حول المحور المحدد لكل منهم والتواريخ والآلية المتبعة.

6.    بعد موافقة الباحثين، حرص المحرر على التواصل معهم عبر البريد الشبكي، حيث تم تبادل العديد من الدراسات والأبحاث في مجال موضوع الكتاب، كما شهدت تلك المرحلة العديد من المناقشات الثرية على المستوى الجماعي أو الثنائي مع المحرر مباشرة.

7.   توخى المحرر تحقيق أعلى درجات التكامل فيما بين المحاور المختلفة في الكتاب، بما في ذلك البعد عن التكرار في المعالجة والتناول لأبعاد التطوع في المجال اللغوي؛ مما جعله يمرر المحاور المنجزة للبعض وبالذات تلك التي قد تشهد تداخلاً أو تكراراً في بعض أجزائها.

8.    في التواريخ المحددة، استلم المحرر مسوَّدات من المحاور المنجزة وأخضعها لمراجعة في ظل الضوابط المنهجية العامة والخاصة بالكتاب، وقدم مجموعة من الملاحظات والمقترحات التطويرية التي عالجت بعض التداخل والتكرار بطريقة تحقق تراكمية وتعاضدا في المعالجة والتناول، مع السماح بقدر من تكرار التناول في بعض المسائل التي تحتمل أو تتطلب منظورات مختلفة، فنحن لا نروم التنميط ولا نتقصده، فالعلوم الاجتماعية والإنسانية تقوم على مبدأ التنوع في المنهجيات والمداخل في التعاطي مع القضايا والمسائل المبحوثة[3].

9.    اشتغل الباحثون على تعديل الأوراق المكتوبة وقدموا مسودات معدلة، وحدثت نقاشات معمقة بين المحرر والباحثين في العديد من المسائل، وتم الخلوص إلى تصورات تعضد التكاملية المتوخاة في الكتاب، بقدر المستطاع.

10.                      قام المحرر بإخضاع جميع الأوراق المعدلة لمراجعة نهائية، وأعد المحرر مقدمة للكتاب ووضع فهرساً عاماً له. وبعدها، سلَّم المحررُ مسوَّدة نهائية من الكتاب ليقوم المركز بما يلزم لطباعته ونشره وفق الآلية المعتمدة.

 

يتضمن الكتاب خمسة محاور، وقد حرصنا على توخي الاعتبارات المنهجية في عناوين المحاور ومضامينها وفي تسلسلها أيضاً، حيث ركز المحوران الأولان بدرجة كبيرة على الأطر المفاهيمية للتطوع اللغوي والفضاءات المتاحة له، واشتغل المحوران الثالث والرابع على البعد التشخيصي العام للتجارب التطوعية ورصدا بنفس تحليلي نقدي عدداً جيداً من الممارسات العملية في مجال التطوع اللغوي في البيئة العربية والأجنبية على حد سواء، واختتم الكتاب بمحور تطبيقي، رام تعميق فهمنا للاتجاهات حيال التطوع اللغوي عبر دراسة ميدانية على عينة كبيرة في بلد عربي.   

 

في المحور الأول، تصدى عبدالله البريدي للمصطلح الذي اقترحه وهو  "التطوع اللغويوجهد لإيضاح بعض الأبنية المفاهيمية والمسوغات المنهجية لهذا المصطلح الوليد، مع تقديمه لتعريف "مطول" للتطوع اللغوي وفق محاججة اصطلاحية يراها مبررة لتبني مثل هذا التعريف المطول، وأبان البريدي شيئاً من أهمية التطوع اللغوي وحيثياته الدافعة لترسيخه ضمن أنساق الفاعلية المجتمعية، كما أنه تحدث عن "أركان التطوع اللغوي ونواقضه"، باعتبار أن كل فعل تطوعي مربوط بإطار مرجعي حاكم، وركز في ذلك على ما أسماه بـ "الصلابة اللغوية" ونقيضها "الرخاوة اللغوية".

 

وفي المحور الثاني، اختار إبراهيم الدغيري أن يبدأ محوره بمقدمة منكَّهة بمقاربة فلسفية للفعل التطوعي بشكل عام، وجعل ذلك متكأً لتقديم تعريف للتطوع اللغوي مع مراعاة جملة من المحددات المنهجية ومن ذلك الأبعاد التعريفية المستقرة للتطوع في أدبيات العلوم الاجتماعية والإنسانية. هذا وقد ركز الدغيري على مجالات التطوع اللغوي، وقد صنفها في خمسة مجالات، مبتدئاً بتوصيف عام لكل مجال مع ذكر أمثلة تطبيقية على التطوع اللغوي في كل مجال.  

 

تناول محي الدين محسَّب في المحور الثالث بعض التجارب العربية في التطوع اللغوي، وأخضعها لما وصفه بـ "تحليل نقدي لخطاب السياق والرؤية والأهداف والإنجاز"، وعمد محسب لرسم صورة تأطيرية للإشكاليات الاجتماعية والثقافية والحضارية التي يتحرك خلالها مجالُ العمل التطوعي اللغوي، مع عرض مقاربات تتبع بعض آثار هذه الإشكاليات في التجارب التطوعية اللغوية العربية، مستعرضاً بطريقة تحليلية سياقية نقدية الرؤى والأهداف في تلك التجارب، كاشفاً النقاب عن الأبعاد المعلنة والمضمرة في شبكة التفاعلات المجتمعية الثقافية، مع إتيانه على بعض الأنشطة والفعاليات التطوعية  في التجارب المختارة.

 

وأما عيسى برهومة فقد استعرض بقدر طيب من التفصيل والتحليل عدداً من تجارب التطوع اللغوي في العالم العربي، وقد حرص برهومة على التقاط تجارب متنوعة من حيث الأهداف والدوافع والمجالات والأنشطة والمخرجات، وسعى لإلقاء أضواء كاشفة على السمات المائزة لكل تجربة تطوعية لغوية. وبطريقة مشابهة استعرض برهومة مجموعة من التجارب المميزة في عدد من الدول الأجنبية، شاملة: أمريكا وفرنسا  وألمانيا والصين. واستخلص برهومة دروساً مستفادة، مؤكداً في نهاية المحور على تبني جملة من التوصيات العملية، التي من شأنها تحسين الممارسة العملية للتطوع اللغوي العربي.

 

وفي المحور الخامس، نفذ محمود المحمود دراسة تطبيقية رامت استكشاف الاتجاهات حيال التطوع اللغوي، وقد استخدم المحمود في دراسته النهجين الكمي والنوعي (الكيفي)، وبلغت عينة الدراسة الكمية 1123 مشاركاً من الجنسين في المملكة العربية السعودية، أما الدراسة النوعية فقد اشترك فيها عشرة مشاركين في مقابلة موجهة. وقد جهدت هذه الدراسة التطبيقية لتعميق فهمنا حول طبيعة الاتجاهات نحو التطوع اللغوي (إيجابية / سلبية) والدوافع المحركة والمجالات المفضلة، مع تحديد العوامل التي يرى الناس - وفق العينة -  أنها قد تكون معوقة للسلوك التطوعي اللغوي في البيئة المبحوثة.

 

في هذا الكتاب، نأمل أن نكون قد وفقنا في تقديم مادة علمية تعين على تسويق "التطوع اللغوي" مصطلحاً وممارسة، ولعله يحفز آخرين على طرح مقاربة أفضل وأعمق لهذا الموضوع الحيوي. ورحم الله امرأ آمن بلغته وتطوع لها خيراً.

 

 

 

عبدالله البريدي

بريدة

12 ربيع أول 1436هـ

3 يناير 2015م

 



[1]  Edited Books

[2]  سيكون لي تفصيل حول ولادة هذا المصطلح وذلك في المحور الأول الذي كتبته بعد تعذر كتابته من قبل الباحث المستكتب، ولم يكن الوقت مسعفاً لتكليف باحث آخر.

[3]   قام الدكتور إبراهيم الدغيري مشكوراً بمراجعة ورقة المحرر وقدم ملاحظات قيّمة.