آفاق في السلوك التنظيمي

لماذا نقيس الاتجاهات في منظماتنا العربية؟

د. عبدالله البريدي  

 

الثقافة التنظيمية تصنع الاتجاهات!

تلعب الثقافة التنظيمية – برموزها ومفرداتها وصنّاعها - دوراً كبيراً في تصنيع الاتجاهات وتوجيهها وتغييرها وتعبئتها في عقول الأفراد سواء كانوا داخل المنظمة أو خارجها، وقد تكون تلك الاتجاهات إيجابية أو سلبية، قوية أو ضعيفة، ثابتة أو متأرجحة. ويعني هذا أنه يتعين علينا استيعاب الثقافة التنظيمية وفك بعض شفراتها إن أردنا دراسة الاتجاهات وتحليلها وتوجيهها وتغييرها. والحقيقة تقضي بأن نقرر بأنه لا يمكن لنا أن ننجح في تنفيذ برامج التطوير في منظماتنا العربية دون أن نفهم وبشكل متعمق الاتجاهات التي تعج بها منظماتُنا، بشرط أن نركّز أبحاثنا على الدراسات الكيفية (النوعية) وليس الكمية، لأن الأبحاث الكيفية هي وحدها من يستطيع أن يتغلغل في أحشاء الظاهرة ويمسك باللب ويظفر بالجوهر، والاتجاهات جوهر ولب!.

 الاتجاهات: متجذّرة وغضّة!

من طبيعة الاتجاهات أنها إن ُتركت من غير توجيه فإنها تتراكم وتتعمق داخل النفس الإنسانية وتلتف حولها طبقات كثيفة من العقائد و القيم والدوافع والرغبات، الأمر الذي يجعل مسألة قياسها فضلا عن توجيهها أو تغييرها أمراً بالغ التعقيد والصعوبة، بخلاف الاتجاهات الحديثة والتي لم تطل فترة تخلّقها في رحم فكر الإنسان ووجدانه، أي أننا أمام نوعين من الاتجاهات: اتجاهات قديمة أ و "متجذّرة"  وهي أشبه ما تكون بقشرة غليظة يصعب نزعها ويشق إزالتها، واتجاهات جديدة أو "غضّة" أي أنها متخلّقة حديثاً وهي أشبه بقشرة رقيقة لا تتطلب جهداً كبيراً لنزعها وإزالتها.

وعملية قياس الاتجاهات بشكل علمي تمنحنا العديد من الأدوات المعينة على النجاح في برامج  تطوير منظماتنا العربية، فمن ذلك أن قياسها يمكّننا من:

1.  إمكانية وصف ظاهرة معينة داخل المنظمات بعد قيامنا بعملية قياس اتجاهات الأفراد المتأثرين بها ودرجة وحديّة الاتجاهات.

2.  تفسير السلوك الإنساني والاجتماعي للأفراد والجماعات ذوي العلاقة بالمنظمة  من خلال تحليل الاتجاهات المقاسة واستيعاب مفرداتها وقياس درجاتها لدى مختلف الشرائح والإدارات في المنظمة.

3.  وصف وتفسير السلوك الإنساني والاجتماعي يجعلننا قادرين على التنبؤ بدرجة معقولة من الدقة بالسلوك المستقبلي  للأفراد والجماعات ذوي العلاقة بالمنظمة  بعد قيامنا بقياس اتجاهاتهم وتحليلها وفهم بواعثها وحيثيات ومراحل تشكّلها والأطراف المؤثرة في عملية تخلّقها وتجذّرها.

4.  لا يقتصر الأمر على مجرد وصف الظاهرة أو تفسيرها أو التنبؤ بها  بل يمكننا التحكم في السلوك الإنساني والاجتماعي من خلال برامج التغيير والتطوير التي يجب أن ُتصمّم في ضوء الثقافة التنظيمية التي يجب أن تتضمن الاتجاهات المترسّخة في المنظمة والاتجاهات المطلوب ترسيخها مع تحديد أفضل الطرق لغرسها وذلك بمراعاة الخلفية العلمية والخبرة وأنماط الشخصية وأنماط التفكير لمنسوبي المنظمة.

ومما يؤكد على أهمية قياس الاتجاهات في المنظمات ندرة الدراسات العربية في مجال دراسة الاتجاهات خاصة في بعض الموضوعات كالصورة الذهنية للمنظمة والتحيز. ولمعرفة أهمية دراسة الاتجاهات يمكن للمدير أو القائد في المنظمة أن يوجّه لنفسه سؤالاً: هل أعرف السبب الذي يحمل بعض الموظفين في منظمتنا على التأخر في الدوام؟ أي شيء يدور في رؤوسهم وهم يقومون بهذا العمل غير المبرر دينياً وأخلاقياً؟ أعتقد أننا في حالات كثيرة لا نعرف على وجه الدقة إجابات لذلك السؤال وأضرابه! ألا يقنعنا هذا بالاهتمام بضرورة فهم الاتجاهات في منظماتنا؟  

 

 

حكمة في السلوك التنظيمي

إن لم نبادر بتغيير الاتجاهات وهي غضّة فسيلتف حولها طبقاتُ سميكةُ من المعتقدات والقيم التنظيمية ولفائفُ غليظةُ من الدوافع والتبريرات مما قد يعيق عملية توجيهها وتغييرها ...!  

المصدر:  مجلة التدريب والتقنية، الرياض: المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، العدد 87، أبريل ، 2006م

 


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: