آفاق في السلوك التنظيمي

يجب أن نفك شفرة الرضا الوظيفي في منظماتنا العربية؟

د.  عبدالله البريدي  

 

 

هنالك نظريات علمية كثيرة طوّرت من قبل بعض الباحثين الغربيين من أجل وصف وتفسير كيفية حدوث الرضا الوظيفي في بيئة العمل، من أهمها نظرية العوامل الثنائية Two-Factor Theory لـ (هرزبرج)، تلك النظرية تشير إلى أن العوامل التي تحقق الرضا الوظيفي تختلف عن العوامل التي تؤدي إلى عدم الرضا الوظيفي، وبشكل أكثر تحديداً تفرز النظرية مجموعتين من العوامل المؤثرة في الرضا الوظيفي هي:

1.  العوامل الوقائية Maintenance  وهي المتعلقة ببيئة العمل أو الظروف المحيطة بالعمل كالرواتب ونوع الإشراف وطبيعة العلاقة بالآخرين وظروف مكان العمل، هذه العوامل إذا توافرت فإنها لا تؤدي إلى الرضا الوظيفي ولكنها تخلصنا من عدم الرضا أي أنها تنقلنا من المحيط السالب إلى نقطة الصفر، وهذا يعني أننا نحتاج إلى عوامل أخرى تأخذنا إلى المحيط الموجب (منطقة الرضا الوظيفي).

2.  عوامل الرضا Motivators وهي العوامل المرتبطة بالعمل ذاته كطبيعة العمل وفرص الإنجاز والترقية والتطوير الذاتي من خلال برامج التدريب وغيرها، هذه هي التي تنقلنا إلى منطقة الرضا الوظيفي بحسب تلك النظرية.

ومن النظريات الحديثة ما يعرف بنظرية القيمة Value Theory وهي تشير إلى أن الرضا الوظيفي يتحقق عن العمل أو بعض عناصره إذا تضافرت عوامل ثلاثة وتناغمت فيما بينها، ولنفرض مثلاً أننا نبحث عن قياس درجة الرضا لبعض الموظفين عن عنصر (الترقية) في العمل، ففي هذه الحالة نبحث عن درجة التناغم بين:

1.  مقدار ما يأمل الموظف الحصول عليه من ذلك العنصر (درجة الترقيةِ ونوعيتها).

2.  المقدار الفعلي الذي حصل عليه (هل حصلتِ الترقيةُ فعلاً؟ وهل تناسبُ تطلعاته وآماله؟)

3.  أهمية عنصر الترقية بالنسبة للموظف (قد تكون الترقيةُ أهم عنصر في العمل وقد لا تكون).

هذه النظريات مفيدة حيث تمنحنا قدراً من الفهم لبعض العوامل المؤثرة على مستويات الرضا الوظيفي، غير أن المحزن حقاً هو عدم وجود أي نظرية عربية في مجال الرضا الوظيفي على الرغم من كثرة الأبحاث العربية في ذلك المجال؟! وهنا نؤكد على أهمية اشتغالنا كباحثين عرب في تطوير نظرية تراعي تأثير البعد الديني على المشاهد الحياتية وتتلاءم مع مفردات منظومتنا الثقافية وشبكة علاقاتنا الاجتماعية وتتناغم مع مزاجنا العام، مع ضرورة مراعاة الاختلافات في بيئاتنا الإدارية العربية، والحقيقة أن هنالك بعض العوامل التي يمكن أن تكون مؤثرة في بناء النظرية العربية في الرضا الوظيفي نظراً لخصوصية وحجم تأثيرها على البعد الفكري والنفسي والسلوكي للموظف العربي المسلم والتي منها:

§  درجة ونوعية التدين. فالدين يؤثر أو يشكّل نظرة الموظف تجاه العمل، وعلى هذا يمكن القول بأن التدين يقلّل من النظرات المادية ويعلي من شأن الإنتاجية والعطاء ويهتم بتحقيق النفع للآخرين، هذا مع افتراض وجود الفهم الصحيح للتدين، وهذا يتطلب منا تحريك المكونات الفعالة في معادلة الإيمان!

§  النسق الاجتماعي السائد. فمثلاً البيئة العربية الإدارية التي تتسم بالنسق القبلي في تركيبتها وهرميتها الاجتماعية تختلف عن البيئة العربية المدنية التي تنعدم فيها أواصر القبيلة لحساب العوائل والأسر، ففي الوضع الأول يحرص الموظف على أن يتوفر على قدرة تمكنه من تقديم خدمات خاصة لأبناء العمومة من أجل أن يظفر بوسام " الفزعة" ودرع "النخوة" على مسرح "البدوقراطية"!

 

حكمة في السلوك التنظيمي

كميات مختلفة من الرضا الوظيفي يمكن أن تسري في شرايين المنظمة وأوردتها ... فكم هو رائع أن نفك الشفرة التي تعرّفنا بكيفية سريانه وأسرار تدفقه وقنوات جريانه في بيئة أعمالنا!  

 

المصدر:  مجلة التدريب والتقنية، الرياض: المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، العدد 89، يونيو ، 2006م

 


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: