آفاق في السلوك التنظيمي

اتجاهات الفرد حيال منظمته .. مشاعر ومفاهيم!

د. عبدالله البريدي  

 

 

المنظمة.. تعسّفُ فوثبة إلى الرشد!

تعسّفت المنظمة حين عاملت الموظف كآلة صماء، فجعلت توفّر له المالَ وتحرص على تحسين الإضاءة والتهوية وبيئة العمل؛ بالغت في العناية بالجانب المادي دون كبير اكتراث لمشاعره وأحاسيسه، وهذا يمثل الفكر "الإداري العلمي" إبان مراحله الأولى، ولكن الإدارة ثابت إلى رشدها حين انعتقت من إسار ذلك الفكر التقليدي إلى رحابة "الإدارة السلوكية" التي  تخطّئ كل من يعتقد بأن الموظف يعيش داخل منظمته بقلب جامد وعواطف باردة، وتخطّئ أيضاً من يظن بأن الموظف يعامل منظمته كما لو كانت شيئاً جامداً، كلا فالموظف إنسان: روح وعقل وجسد، كما المنظمة تماماً..  فالموظف - بغض النظر عن درجته الوظيفية أو عمره أو خبرته أو تخصصه أو ميوله أو جنسه - إذن له "اتجاهات" حيال منظمته التي يعمل بها، وقد تكون تلك الاتجاهات إيجابية أو سلبية، وهي تميل إلى الاستقرار الدائم أو شبه الدائم في أكثر الحالات.

أي نوع من الاتجاهات يحملها الفرد عن منظمته؟

طوّر البحث الغربي في مجال السلوك التنظيمي عدة مفاهيم تعكس اتجاهات الموظف أو مشاعره تجاه منظمته، والحقيقة أن تلك المفاهيم متداخلة ويصعب في أحايين كثيرة عزل بعضها عن بعض، والصعوبة حاصلة لدى الباحثين المتخصصين أيضاً، وقد تبع البحث العربي – كالعادة!-  نظيره الغربي في استخدام تلك المفاهيم، وقد لا يكون ضرورياً لنا في هذا الموضوع أن نظفر بالقواطع التي تفرز تلك المفاهيم وتميّز بينها، بقدر أهمية إلمامنا بأهم المفاهيم والتعرف على معانيها العامة، وتشمل تلك المفاهيم ما يلي:

1.  "الولاء التنظيمي" Organizational Loyalty (يفضل بعض الباحثين العرب استخدام مصطلح "الانتماء التنظيمي" أو "الولاء المؤسسي" أو "الانتماء المؤسسي"، والمصطلح الأول هو الأشيع في الأدبيات العربية).

2.  "الالتزام التنظيمي"  Organizational Commitment  (أو "الالتزام المؤسسي"، بل إن بعض الباحثين يترجم هذا المصطلح بـ "الولاء التنظيمي"، وهذا يعيدنا إلى المفهوم الأول).

ومن ذلك نخلص إلى أن هذين المفهومين متداخلان في المعنى لدرجة يصعب معها فك الاشتباك بينهما، ويهمنا الإشارة إلى أن المفهوم الأول (الولاء التنظيمي) هو المفهوم الأكثر استخداماً في الأبحاث العربية – بحسب رصد الكاتب - ، مما يجعلنا نتناوله بالتعريف والتحليل. فمفهوم "الولاء التنظيمي" يشير إلى درجة ارتباط الموظف بالمنظمة، ويعكس مستوى إيمانه بأهدافها وقيمها، ويعبّر عن مدى قناعته بالبقاء بها والالتزام بتحقيق أهدافها ورسالتها.

1.  المواطنة التنظيمية Organizational Citizenship ويشير هذا المفهوم إلى السلوك الاختياري الذي يهدف إلى تحسين الأداء من أجل تحقيق أهداف المنظمة وزيادة فعاليتها دون أن يندرج تحت نظام الحوافز الرسمي. أي أن الموظف يعمل بشكل زائد عن ما هو مطلوب أو مقرر في الوظيفة، فهو يعمل دون انتظار مقابل مادي محدد. وهذا ما نعرفه جيداً في فكرنا الإسلامي فنسميه بالاحتساب أو التطوع، وهو منبعث من شعور إيماني داخلي يتدفق إخلاصاً ولذة بالإنجاز، وفوق ذلك طلباً للأجر من الله تعالى، كما قال الحق تبارك وتعالى (وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، وقوله (إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً )، وهنا نعاود التأكيد على أهمية معالجة كيمياء الإيمان بحيث نحرّك العوامل الفعالة في معادلة الإيمان في فضائنا الإداري، ما أحوجنا لذلك في بيئة إدارية طمرتها أصداف الماديات وتكلسّت عروق التطوع والاحتساب فيها!      

 

 

حكمة في السلوك التنظيمي

 

ميزة الموظف ومأساته في الوقت نفسه هي "ذاكرته" تجاه منظمته، كما البعير الذي يخزّن كمية من المشاعر تجاه صاحبه، حباً أو كرهاً، عشقاً أو مقتاً، قبولاً أو رفضاً، عرفاناً أو جحوداً!

 

المصدر:  مجلة التدريب والتقنية، الرياض: المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، العدد 92، سبتمبر ، 2006م


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: