آفاق في السلوك التنظيمي

إدراكنا .. حين يفرز تحيزات!!

د. عبدالله البريدي  

 

يمكننا تعريف الإدارك الإنساني بأنه: التقاط الإنسان للمثير الذي يحدث حوله (صوت – رائحة – ضوء – مشاكل - أحداث – قضايا...) بحواسه المختلفة من أجل تفسيره من خلال معلوماته وخبراته وتطلعاته الماضية أو الحاضرة أو المستقبلية في ضوء معتقدات الإنسان وقيمه ولغته. وهذا يعني أن ثمة "فلاتر" للإدراك، تتمثل في: المعتقدات والقيم – اللغة – الاهتمامات والمعلومات والخبرات. وتعمل تلك الفلاتر على تغيير بعض خصائص المثير أو تشويهه وربما وصل الحال إلى إعاقة عملية الإدارك تماماً، وهذا يؤدي إلى وجود اختلافات صغيرة أو كبيرة في عملية التفسير لمثير ما بين البشر.

دعونا نضرب مثالاً على ذلك، لنفترض أنني تحدثت عن مفهوم "الأسرة" وأهميتها في البناء الاجتماعي أمام نوعين من البشر، مسلمين وغربيين، تُرى ماذا يمكن أن يحدث؟ الفلاتر ستفعل فعلها، إذ أن المسلمين سيتوجهون إلى الأسرة التي تتكون من "رجل وأمرأة برباط الزواج الشرعي" مع أولادهم، أم الغربيون – أو بعضهم - فهم سيدركون الأسرة بطريقة مختلفة لتشمل تشكيلات أخرى، حيث سيدخلون فيها العلاقات غير المشروعة بين الرجل والمرأة أو حتى الشاذة بين الرجل والرجل أو المرأة والمرأة، هذا من أثر الفلترة.  

والتحيزات الناتجة بسبب الإدارك الإنساني كثيرة، ويمكننا تسليط الضوء على أهمها، وليكن التناول والتحليل في ميدان العمل في المنظمات المختلفة مع ضرب بعض الأمثلة:  

1.  التحيزات الناتجة من فيروس الشك. حيث يميل البعض إلى تفسير السلوك الإنساني من خلال تحميل الإنسان للأخطاء أو النتيجة غير المرغوب بها، فمثلاً عندما يتأخر أحد الموظفين عن اجتماع معين، فإنهم يبادرون إلى القول بأنه: كسول وغير مبالٍ، ويدحضون ضمنياً كل الافتراضات المحتملة الأخرى كتعطل السيارة أو إصابته بمرض ونحو ذلك.

2.  التحيزات الناتجة من فيروس الهالة. فالبعض يتأثر حكمه على الآخرين من خلال بعض المظاهر العامة، كحسن المظهر للإنسان أو لباقته في الحديث، ويؤثر ذلك كثيراً على الحكم على الناس وتقييمهم وخاصة عند إجراء المقابلات الخاصة بالتوظيف.

3.  التحيزات الناتجة من فيروس الشبيه. وينتج ذلك من أسباب "خفية" – لاشعورية أحياناً -  تجعل الإنسان يتحيز لكل من يشبهه في بعض الجوانب والتي قد تكون شكلية (مظهرية) أو عملية (طريقة إدارة أو أسلوب قيادة)، مما يؤثر على الحكم والتقييم، وقد أشارت بعض الدراسات الغربية إلى أن بعض المرؤوسين يكونون أكثر ثقة في الرؤوساء الذين يشتركون معهم في بعض الصفات، مما يجذب هولاء إلى أولئك فتقوى العلائق بينهم والنتيجة التحيز لهم والظلم لغيرهم!

4.  التحيزات الناتجة من فيروس الانطباع الأول First Imperession . وذلك أن الانطباع الذي يتشّكل لدى الإنسان قد يتأثر إلى حد كبير بالانطباع الأول الذي يخلفه ذلك الشخص في الموقف الأول، والمشكلة أن ذلك التحيز قد يستمر، فمثلاً الموظف الجديد قد يترك انطباعاً جيداً لدى مديره بحسن الأداء وجودة العمل، فيستمر ذلك الانطباع (التحيز) حتى لو تغير أداء الموظف إلى الأسوأ والعكس قد يكون صحيحاً!

5.  التحيزات الناتجة من فيروس الاهتمامات. فالإنسان قد يتحيز للأعمال أو المهام أو الإدارات التي تتعلق بتخصصه ومهاراته وخبراته، وهنا نلفت أنظار القياديين إلى ضرورة التفطن إلى ذلك النوع الخفي من التحيزات، لئلا يظلموا بعض الإدارات أو الأقسام، مما يؤثر على الفعالية في تحقيق بعض الأهداف المنشودة.

 

حكمة في السلوك التنظيمي

يبقى الإنسان في كل حين معرضاً لبعض "الفيروسات الإداركية"؛ التي تهاجم إدراكه فتصيبه بموجة من التحيزات المزمنة أو المؤقتة التي قد تشوه اتجاهاته أو تصرفاته حيال فئة من الناس! 

 

المصدر:  مجلة التدريب والتقنية، الرياض: المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، العدد 99، أبريل ، 2007م

 


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: