د. عبدالوهاب المسيري .. خارطة أفكاره وإنتاجه

د. عبدالله البريدي

 

مدخل:

ثمة دلالات متعددة لكلمة "خارطة" الواردة في العنوان ، فالخارطة تشير إلى وجود تضاريس متعددة ، كما أنها تشي بأن حاجتنا إليها تشتد كلما استكشفنا معالم جديدة، والخارطة مهما بدت دقيقة ومفصّلة فإنها لا تمنحنا القدرة على فك كافة الشفرات أو الألغاز  حول بعض الأماكن "المراوغة" أو الاتجاهات "المتداخلة" ، مما يلزمنا بالنزول إلى الميدان، كما أنها قد ترتكب خطيئة "المساواة" بين الأماكن أو المعالم المتفاوتة في أهميتها وأقدميتها ومساحاتها ... تلك بعض الدلالات التي يتعين حملها ونحن نروم رسم خارطة لأفكار ونتاج البروفيسور عبدالوهاب بن محمد المسيري (ولد في دمنهور في مصر عام 1938 وتوفي في القاهرة في مستشفى "فلسطين" 2008م ).

لئن تحدث الأكثرية من المثقفين والكتّاب عن السبق الكبير الذي حققه البروفيسور عبدالوهاب المسيري  في عمله الموسوعي المذهل عن "اليهود واليهودية والصهيونية" باعتباره الإسهام الفكري الأهم له ، فإن لذلك مسوغاته ولا شك،  فهو عمل بحثي وفكري مدهش، غير أن الإسهام الأهم – في نظري - الذي ُيحسب للدكتور المسيري ليس "موسوعته العلمية" بل "موسوعيته المنهجية"، فالموسوعة العلمية تعكس نتاجاً بحثياً علمياُ ذا طبيعة "سكونية" في شكل نتائج وخلاصات تجاه قضايا محددة، وكثير هم أولئك الذين يطيقون القيام بعمل موسوعي سكوني، أما الموسوعية المنهجية فتشير إلى قدرة "ديناميكية" يتمتع بها الباحث أو المفكر يتجاوز بها مجرد إنجاز موسوعة علمية إلى تأسيس منهجية وإطار مفاهيمي يتمكن الآخرون من خلالها من إنجاز موسوعات علمية دقيقة وفق منظومتهم الثقافية ، وبعبارة مختصرة يمكن القول بأن المسيري لم يعطنا موسوعة واحدة بل عوّدنا كيف نبني موسوعات في مجالات اهتماماتنا المختلفة، ويعني ذلك بالضرورة أن الدكتور المسيري أدخل "مناهج تفكير  جديدة" في الأجهزة المعرفية العربية والإسلامية، بل إنه يمكننا الذهاب إلى ما هو أبعد من هذا القول ، فالمنتجات المنهجية والفكرية التي أنتجها المسيري أفلحت في صناعة "لحظة تفكير فاصلة" للعقل العربي في فضاء الفكر والعلوم الاجتماعية والإنسانية

 

المصدر: السودان، مجلة أفكار جديدة،  ،  2009


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: