ورقة بحثية في ندوة دولية بعنوان: الوعي الحضاري- فاعلية وتمكين وشهود،  تنظيم مركز الأمير عبدالمحسن بن جلوي للدراسات الإسلامية، الشارقة، 15/5/2010

نحو تشخيص ضعف الفعالية الحضارية لـ "العمل الإسلامي"

د. عبدالله البريدي

مقدمة

ثمة إشكاليات ضخمة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، وقد آن أوان إعادة النظر في تلك الإشكاليات بأدوات التشخيص الثقافي الحضاري، الأمر الذي يقتضي – ضمن أمور أخرى - مدارسة تلك الإشكاليات في إطار يأخذ بعين الاعتبار والتفحص تموضع الأمة العربية والإسلامية في المسار الحضاري[1]، إذ أن تحديد الموضع الحضاري يعين على تشخيص الأدواء الثقافية المتجذرة في بنية التحضر/التخلف في مجتمعاتنا؛ تشخيصاً دقيقاً يراعي مقتضيات وحيثيات المرحلة التي تعايشها الأمة العربية والإسلامية في جوانبها المختلفة، مما يمنحنا نظراً أثقب وسبراً أعمق لأصل المشكلة ولبها وسبل معالجتها.

لا نهضة لمجتمعاتنا دون مشروع حضاري طموح وجذاب وُملهم ... أحسب أن مسلّمة كهذه تدفعنا إلى الاعتراف بحتمية الاشتغال الفكري والبحثي في مسائل التحضر بأبعادها ومقوماتها وإشكالياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، ومثل هذا الاشتغال لا يعد ضرباً من التفنن الفكري أو التلذذ البحثي لطائفة العاكفين عليه من المفكرين والمثقفين، بل هي قضية مصيرية: "نكون" أو "لا نكون"، ليس ثمة بديل ثالث، وهذا يعني أن المجتمعات التي لا ُتفلح في بلورة مشروعها الحضاري ُمطالبة بأن تقبل بالتطبيع مع التخلف الحضاري، باتفاقية تتجدد تلقائياً في حالة موافقة الطرفين أو موت المجتمعات أو مرضها المزمن!

ولذلك فإننا نتوجه بالقول بأن الاهتمام بـ "المسألة الحضارية" ينبع من قناعتنا المترسخة بأنها السبيل الأرشد لرقي الأمم ونهضتها، ومن أنها زاوية فريدة تتيح لعقلنا الفردي والجمعي أن يفكر ويدير ويقوّم ويطوّر ويستشرف الآفاق بمقاييس حضارية وبمنظور شمولي يجنّبنا الانبثاقات التجزيئية  السطحية والرؤى التفكيكية الضيقة، ليتجاوز بنا نحو الأصوب الأعمق إزاء القضايا والأحداث الكبار التي تشكّل منعطفات خطيرة على المستوى الحضاري[2].  والحق أن المسألة الحضارية وإن نالت شيئاً من الاهتمام في الآونة الأخيرة على مستوى دوائر نخبوية، إلا أنها لا تزال تقع "خارج نطاق الوعي" في دوائر إصلاحية كثيرة، وفي هذه الورقة البحثية المختصرة  سوف أعالج   - بمنهج تشخيصي -بعض أبعاد المسألة الحضارية بالتركيز على الفعالية الحضارية لما ُيسمى بـ "العمل الإسلامي"، ومن المؤكد أن  "الفكر الإسلامي" يجيء كعامل رئيس في التعاطي مع مسائل التحضر والإصلاح في مثل هذا السياق، باعتباره إطاراً مرجعياً ، و/أو تراثاً ثقافياً لمدارسة مثل تلك المسائل.

وهذه المعالجة التشخيصية لن تسمح بتمرير مصطلح "العمل الإسلامي" دون مساءلة وتمحيص وكأنه بات من المقدسات أو المسلمات أو المفاهيم البريئة من الإشكاليات، إذ قد نكتشف - أو يكتشف غيرنا لاحقاً - أن هذا المصطلح بحمولاته ودلالاته جزء من الإشكالية وربما يكون جزءاً من الحل، وقد يكون جزءاً من هذا وذاك، بعد تعديل وتحوير تقتضيه شرائط العمل النقدي المنهجي وفق التحديات الكبار والمستجدات في المشهد الثقافي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

ولا تتنكر المعالجة التشخيصية حين تركز على جانب الإشكاليات في "العمل الإسلامي" لحسناته ولا تقلل من شأنها، ولكنها تكثف التحليل على البعد الإشكالي لتسليط الأضواء عليها بغية معالجتها ومعاونته على تجاوزها ورفع سقف فعاليته الحضارية، ولا تدعي هذه المعالجة تطويق كافة الإشكاليات المرتبطة بـ "العمل الإسلامي" في إطار المسألة الحضارية، كما أنها لا تزعم البتة بلوغها مستويات مرتفعة من التعمق في التشخيص والعرض لتلك الإشكاليات فضلاً عن البلورة للمقترحات والحلول، وهي في حقيقة الأمر مجرد مدارسة فكرية متواضعة لإشكاليات فكرية وحضارية ليست متواضعة على الإطلاق، بل هي معضلات كبار.  



[1] البريدي ، عبدالله (محرر) (2005) ، قضايا في المسألة الحضارية، المنتدى الحضاري، ص 23-35.

[2] البريدي ، عبدالله (2005)، المرجع السابق، ص 22.


التعليقات (1)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق

بواسطة صالح بن علي العميريني:

أين ورقة البحث ؟

وفقكم الله ..


أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: