مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة الخامس والعشرين

1/14/1431هـ  -  17-31/3/2010م

بحث في الإشكاليات الاصطلاحية والفكرية للسلفية

معطيات واقعية ومؤشرات مستقبلية

د. عبدالله البريدي

مقدمة وخلاصة مبكرة!

المصطلح "كائن ثقافي ديناميكي"، حيث تتجدد دلالاته - المعلنة والمضمرة- ووظائفه في ضوء تفاعلات البشر في محيطهم الثقافي وفق ما يملكونه من معتقدات وقيم ومفاهيم وأمزجة خاصة، والمصطلح بالتوصيف السابق له انعكاساته على الوعي واللاوعي الثقافي وما يمكن أن يترتب عليه من الرؤى والاتجاهات التي قد ُيترجَم بعضها إلى خطط وبرامج ومشاريع بناء وتغيير وإصلاح، ويتأكد ما سبق في حالة المصطلحات "العابرة أو المرتحلة" عبر حدود الزمان والمكان.

ويمكن النظر إلى المصطلح على أنه عملية للربط بين "الدال" و"المدلول" ، وهي عملية – كما يقول الدكتور عبدالوهاب المسيري -  "ليست سهلة ولا آلية ولا حتمية، فهي تمر عبر الزمان والمكان الإنسانيين" (عبدالوهاب المسيري ، هاتان تفاحتان حمراوان: دراسة في التحيز وعلاقة الدال والمدلول، في: إشكالية التحيز، تحرير: عبدالوهاب المسيري، هيرندن، فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1998 ،  ص 65)، والبنية اللغوية للدال هي "بنية سكونية" تتسم بالرأسية والتزامن؛ بخلاف البنية الفكرية أو الاجتماعية أو التاريخية  للمدلول إذ أنها "بنية متحركة متغيرة" متصفة بالأفقية والتعاقب والتركيب والتعقيد، ولهذا السبب فإنه يمكن القول بأن "ثمة فجوة زمنية دائمة بين الدال والمدلول قد تتزايد اتساعاً حتى يصبح الدال لا علاقة له بالمدلول" (المرجع السابق، ص 65 )، كما يمكن القول بأنه لابد من "الاختيار بين عدد لا حصر له من الدال للإخبار عن مدلول مركب ومتشابك مع عدد لا حصر له من المدلولات. وعملية الاختيار تعني إبقاء وتأكيد واستبعاد وتهميش، اختيار أو تأكيد لمعنى، واستبعاد أو تهميش لآخر، أي أنه لا يوجد تلاقي آلي بين الدال والمدلول، وإنما هناك حتمية الاختيار (أو الاجتهاد) الإنساني في محاولة مزاوجة بين الدوال بالمدلولات، وهي عملية تتضمن قدراً من التحيز لدال على حساب آخر ، ولجانب من المدلول على حساب جانب آخر". (المرجع السابق، ص -6665 )

وفي ضوء حقيقة ديناميكية المدلول وحتمية التحيز في عملية الربط بين الدال ومدلوله، بالإضافة إلى حقيقة وقوع الفجوة الزمنية بين الدال والمدلول واتساعها بسبب ارتحال المصطلح، في ضوء كل ما سبق يمكننا أن نقرر بأنه لم يعد كافياً أن نصف "السلفية" بأنه مصطلح "غامض" أو "فضفاض" أو حتى "إشكالي"، فتركيبة المصطلح تقودنا إلى وصفه بالمصطلح "المراوغ" – بحسب العبارة الواردة في قاموس واتسون - ؛ ذلك أن دلالاته تتقلب بطريقة ديناميكية يصعب السيطرة عليها، من جراء تلبّسها بالتعقيد والتنوع الشديد من الناحية المفاهيمية "مراوغة لغوية"، ليس ذلك فحسب بل مع قدر متزايد من الاستخدام البرغماتي ذي النزعة العملية أو حتى الانتهازية "مع" أو "ضد" السلفية "مراوغة سياسية"، مع ما يفرزه كل ذلك من إشكاليات فكرية وسياسية متعددة، وسوف نجهد في هذا البحث المختصر للتدليل والبرهنة على صحة هذه النتيجة أو إثبات معقوليتها على أقل تقدير.

 وفي سياق هذا التلخيص المبكر يهمنا التذكير بأن "السلفية" في نظر الكثيرين من محبيها قد تصل إلى مرتبة "مساوية" للدين نفسه، وفي المقابل فالسلفية في نظر بعض الطوائف الإسلامية الأخرى هي "تشدد" و"ضلال"، أما السلفية في نظر بعض "الطائفيين المتشددين" فهي رمز لعموم الفئة المنبوذة من قبلهم، وذلك له دلالات كثيرة وهامة ولعل من أهمها في سياق افتتاحية هذا البحث استشعاري بأن النقد الذي نوجهه للسلفية قد ُيستغل من قبل البعض بطريقة تخرج عن نطاق الموضوعية البحثية إلى نوع من التصفية التاريخية أو الفكرية أو الطائفية أو السياسية، وهذا ما لا أقره إطلاقاً، غير أن ذلك المسلك اللامنهجي لا يثنينا عن القيام بمهمة البحث العلمي النقدي باشتراطاته المنهجية والأخلاقية في ضوء ما نراه ُمحقّقاً للمصالح العليا على المستوى الوطني والعروبي والإسلامي ومستجيباً لتحديات مشروعنا الحضاري العربي الإسلامي.

 ومن جانب آخر نلاحظ بأن "السلفية" ُتورَد في بعض السياقات كـ "مفهوم" أو "فكر" يؤمن به البعض ويعتنقه، وأحياناً ُتستخدَم كـ "تكتل" أو "تحزب" فكري أو سياسي، كما أن السلفية – بواقعها المعاصر كما سنبين لاحقاً – تتجافى مع اللحظة الراهنة وتمارس تهميشاً للتعقيد الذي يلف الحياة المعاصرة ظناً منها أنها تخنق تلك المشاكل بعقيدتها الصافية وإيمانها العميق، وهي في الحقيقة تمارس خنقاً لعدد من الخيارات التنموية للمجتمع، كما أنها ُتشرعن لعملية التطبيع مع حالة "اللاحسم" وحالة "السذاجة" في التعاطي مع كثير من الإشكاليات الفكرية والاجتماعية والسياسية، مع إفرازات كبيرة وخطيرة نسعى إلى الإتيان على بعضها في هذا البحث المكثف.

والآن يلزمنا التناول التفصيلي لـ "مزاعم النتائج" التي خلصنا إليها والمدعمة بـ "دلائل البرهان" الذي ندعي بامتلاكنا لها؛ وذلك كإطار منهجي يحكم سيرورة التعاطي مع هذا المصطلح "المراوغ" في السياقات الفكرية والسياسية، مع تركيز التحليل على الفضاءات والانعكاسات الفكرية في منطقة الجزيرة العربية (السعودية وما حولها من الدول) باعتبار تفشي الفكر السلفي في تلك المنطقة من جهة، ولاعتبارات تكثيف أو تعظيم الفوائد العملية في الجوانب التطبيقية التي يلامسها تحليلنا للسلفية في أبعادها المفاهيمية والفكرية.


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: