ورقة بحثية مقدمة لمؤتمر الاستشارات والتدريب – المنظمة العربية للتنمية الإدارية- بيروت 5-9 يونيو 2005

التدريب ومستقبله في العالم العربي: الإبداع والخصوصية الثقافية شرطان للفعالية الحضارية

د. عبدالله البريدي

 

مدخل

أضحى التدريب مطلباً استراتيجياً لا لتحقيق أهداف ورؤى منظمات الأعمال فقط، بل لتحقيق أهداف التنمية الوطنية وتنفيذ برامجها في مختلف المجالات (انظر مثلاً: الشقاوي، 1413هـ، ط2؛ : الشاعر، 1412هـ)، ذلك أن التدريب وسيلة فاعلة وأسلوب ذكي لتغيير الاتجاهات وإكساب مهارات ومعارف جديدة وتغذية وتفعيل المهارات والمعارف الموجودة من خلال تبني وتطبيق نماذج ونظريات التعليم الفعالة على نحو يحقق أعلى درجة ممكنة من الإتقان في الأداء والفعالية والجودة داخل تلك المنظمات. وهذه النماذج والنظريات يجب أن تتلاءم بذكاء مع طبيعة المتدربين وبيئة التدريب، حيث يجب مراعاة المتدرب وخلفيته العلمية، والنفسية، والاجتماعية، وأنماط تفكيره، وغايته من التدريب؛ ومستويات الدافعية الداخلية لديه، وطبيعة عمل المتدرب؛ وطبيعة المهارة المستهدفة؛ كما يتعين مراعاة ثقافة المنظمات واستراتيجيتها وفلسفتها ومناخها التنظيمي وطبيعة وشكل الهيكل التنظيمي.

وتأسيساً على ذلك باتت بعض المنظمات الناجحة لا تنظر إلى التدريب كتكاليف تشغيلية تسعى إلى تخفيضها، بل كاستثمار طويل الأجل في أصولها البشرية المنتجة، وذهب البعض إلى أبعد من ذلك، حيث يعتقدون أن التدريب يمكن أن  يسهم في تخفيض التكاليف بشكل جوهري ، من خلال: رفع مستوى الأداء والفعالية، وتخفيض عدد الأخطاء التي يمكن أن تقع، وتخفيض معدل تبديل العاملين، وزيادة مستويات رعاية العملاء، وحسن استخدام الأجهزة مما يقلل من عطبها وحاجتها إلى صيانة مكلفة  (انظر مثلاً: بروكس، 2001)، وفي هذا السياق نؤكد على أهمية دور التدريب الفعال للموظفين في تحقيق أعلى درجة ممكنة من إرضاء العملاء ومن ثم تحقيق بعض مقومات وشروط الحصول على الربحية طويلة الأجل Long-term Profitability .

وفي إطار النظر للتدريب كاستثمار، أعد بعض الباحثين (كوبر وليبراند، ، 1985، أنظر بروكس، 2001) تقريراً عن اتجاهات الإدارة في بريطانيا بالمقارنة مع شقيقاتها الأوربية حول الاستثمار في التدريب والتعليم المهني، وقد خلص التقرير إلى نتائج هامة، نثبت ما له صلة مباشرة بموضوعنا من خلال النقاط التالية:

1.    يعتبر الصرف على التدريب استثماراً من الناحية الإدارية وليس من الناحية المالية، التي تحكمها معايير محاسبية محددة (يعتقد الباحث بأهمية إعادة النظر في التكييف المحاسبي لمصاريف التدريب بحيث يتم تصنيفها إلى مصاريف رأسمالية وتشغيلية اعتماداً على معايير محددة).

2.    يمكن اتخاذ قرارات تنفيذ برامج التدريب المختلفة على مستوى المدراء ولا يلزم أن تتخذ تلك القرارات من كبار التنفيذيين في المنظمة.

وبمنهج نقدي توصل التقرير السابق إلى نقاط ضعف في تصور الإدارة البريطانية للتدريب يتمثل بأن تلك الإدارة لا تزال تنظر إلى مصروفات التدريب كعبء إضافي في التكلفة يمكن التخلص منه في حالات الركود والعسر المالي، ولم ترق النظرة إليه كاستثمار ينمي روح المنافسة. وقارن التقرير بين الاتجاهات في بريطانيا وألمانيا، وانتهى التقرير إلى أن الإدارة الألمانية تعتبر التدريب ضرورة حتمية لمواجهة المستقبل وتحقيق مستويات أعلى من النمو والتوسع حتى في حالات الركود. وقد عمدت بريطانيا إلى تدعيم النظرة للتدريب كاستثمار من خلال قيام دائرة التوظيف منذ عام 1987 ببرنامج الجائزة الوطنية السنوية والذي يستهدف زيادة وعي المنظمات للاستثمار في التدريب (بروكس، 2001).

في ضوء تحليل الأدبيات العلمية في مجال التدريب باستخدام منهجية النقد الثقافي الحضاري، يرتكز هذا البحث حول هدف محوري يتجسد في تحديد الشروط الرئيسية للتدريب الفعال الذي يسهم بشكل مباشر في تحقيق النهضة الحضارية في البلاد العربية.


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: