في المسألة الحضارية   
  
 
في المسـألة الحضــارية ..
د. عبدالله البريدي



ينبع الاهتمام بالمسألة الحضاريَّة من قناعة مترسّخة بأنها السبيل الأرشد لرقي الأمم ونهضتها ،ومن أنها زاوية فريدة تتيح لعقلنا الفرْدِيّ والجمْعي أن يفكر ويدير ويقيّم ويطّور ويستشرف الآفاق بمقاييسَ حضاريةٍ و بمنظور شمولي يجنّبنا الانبثاقات التجزيئية السطحية والرؤى التفككية الضيقة ، ليتجاوز بنا نحو الأصوب الأعمق إزاء القضايا والأحداث الكِبار التي تشكّل منعطفاتٍ خطيرةً على المستوى الحضاري .

لا يمازجنا شكٌّ في أهميتها وخطورتها ، غير أنها مسألة معقدة تنطوي على كثير من الإشكاليات والجدليات ، ويكتنفها ألغاز فلسفية حيّرت العلماء والفلاسفة والمفكرين والمثقفين ، فتباحثوا وتناظروا وتفلسفوا وتخاصموا حِيال مفرداتها . ولم تساهم طروحات أولئك بإثراء أدبياتها وإنضاجها فحسب ، بل أدت إلى تشعبها وتضخمها وتعقدها ، وتناقضت لا في تفاصيلها بل حتى في أُطُرها وخطوطها العريضة لتَضادّ منطلقات أولئك وتلوّن أهدافهم بأطياف الأيدلوجيات والفلسفات الفكرية المتباينة .
وتعد قضية النهوض والسقوط الحضاريّيْن محور مسألتنا هذه وجوهرها ، فكافة الأبحاث تدور في فلكها وتنساب في حوضها حتى تلك الأبحاثُ التي تبدو لنا في الوهلة الأولى على أنها بعيدة عن تلك القضية ما تلبث أن تعود بنظرة فلسفية متعمقة إلى الدوران في ذلك الفَلََك والانسياب في ذلك الحوض .
ولذا فقد جَهَدَت تلك الطروح في تحديد آلية النهوض والسقوط الحضاريين في إطار بحْثي اتسعت دائرته فشملت كافة العوامل المؤثرة والمتأثرة بتلك القضية مع محاولة تفسير الظواهر المصاحبة للحدث الحضاري ، ولذا فيمكننا تقريرُ أن هذه المسألة تمحورت حول قضيتين كبيرتين هما : المسار الحضاريّ والمشروع الحضاريّ .
المســار الحضاري : تقلُّبُ الأمم حضـارياً
تنتظم أدبيات الحضارة أفكاراً متعددة، ورُؤى متباينة، ونظريات فلسفية متعارضة حول آلية النهوض والسقوط الحضاريين ، ليس ذلك فحسب بل نجد اختلافاً جَلِيَّاً في المنطلقات البحثية ، فنرى بعضها اتكأت –مثلاً -على الدولة كوحدة للدارسة كما عند ابن خلدون(1332 – 1406م ) ، في حين ذهب بعضها إلى اعتماد الحضارة وحدة للدارسة كما عند "شبنجلر"(1856- 1936م)،و"توينبي"( 1889- 1975 م ) مع بعض الاختلاف بينهما . وغير ذلك من الاختلافات التي لا نرمي إلى استيعابها في هذا السياق ، وإنما للتأكيد على ضخامة الفجوة بين تلك النظريات والأفكار ، والتي يطبعها المركّب الحضاري بخاصية شديدة التفرد للتباين الديني والأيدلوجي لتزداد تلك الفجوة هوةً واتساعاً . خاصة إذا ما كنا بإزاء دين كالإسلام ، فهو نسيجُ وحْدِهِ ، مكتسٍ بطابع روحي – عقلاني في توازن مُبْهِر ، وبنـزعة ديناميكية مدهشة تحقق له تجدداً في ثبات وترسّخاً في عمق ، وانتشاراً في توغُّل .
وقد يكون بدهياً بعد ذلك كله أن يتملكنا استغرابٌ من إهمال البعض لتأثير ذلك المركّب على المسألة الحضارية ، فتراهم يجهَدون من أجل صوغها بكامل مفرداتها وتفاصيلها في ضوْء ما يسمونه بالبعد الحضاري الإنساني متجاهلين البعدَ الديني والأيدلوجي للحضارات المختلفة . وهذا لا ينفي- ألبتة- وجود قدْر مشترك فيما بينها في بعض تفصيلاتها خاصة تلك التي تتصل بالطبيعة الإنسانية الصِّرفة ، وأُلمحُ إلى أن ذلك القدْر المشترك قليل لتأثير البرمجة الأيدلوجية لا سيما على البعدين العقلي والأخلاقي وبسرعة مذهلة ، فالأيدلوجية تنقضّ على الطفل لتطعمَه ، وتحادثَه ، وتُلبسَه زِياً مُزَرْكَشاً بألوانها ، ثم لا تكاد تفلته إلا بعد أن يَغِطّ في نوم عميق في أحضانها ، فإذا هبّ مستيقظاًَ أسرجت عينيه بنظّارة ملونة وباركت عملَه ومسعاه !!!
ومن هنا تجيء أهمية بلورة أبحاث جادّة في المسألة الحضارية تنبثق من الرّحم الكبير لمركّبنا الحضاري الإسلامي الذي ينتظم المفرداتِ العقَديَّة والقيميَّة والأخلاقية والفكريَّة والتاريخية مع خليط ناضج من الأفكار والفلسفات المستقاة من مُركّب الحضارات الأخرى .... ذلك المركّب الذي يترسب في العقل الإسللامي عبْْْْر دوائر التعليم والتربية والاحتكاك والتفاعلات البحثية والتأملات الفلسفية ... إنني أتساءل هاهنا عن سر تقاعسنا عن تلك البلورة ... مع مبادرة بالاعتراف بأن ثمة طروحاً حضاريةً تتفاوت عمقاً وأصالة ونُضجاً، أسهم بها بعض علمائنا ومفكرينا ومثقفينا ، غير أن بعضها مفتقر للشّمولية والتراكمية والارتباطية مما أضعفها نظرياً وسطّحها فلسفياً وسلبها من ثم أي مضمون تطبيقي واقعي .
وقبل الاسترسال في ثنايا الموضوع لا بد من توضيح بعض المنطلقات المنهجية في هذا البحث عبر المفردات التالية :
أيُّ شيءٍ تعنيه الحضــارةُ ؟ :
من المتحتم –منهجيًا- البدْء بتعريف الحضارة إذ إنها نقطة ارتكازية في هذا البحث ، ولكنْ نظراً للإشكالية التي تحوط التعريف ، فإنني أُعرِّج على ثلاثة تعاريف :
يعرف ابن خلدون الحضارة بأنها : ( أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال العمران زيادة تتفاوت بتفاوُت الرَّفهِ وتفاوت الأمم في القلّة والكثرة تفاوتاً غيرمنحصر) "1"
ويعرفها" ول ديورانت" بأنها:(نظام اجتماعي يُعين الإنسانَ على الزيادة من إنتاجه الثقافي)"2"
في حين ذهب مالك بن نبي إلى أنها : ( جملةُ العواملِ المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل فرد من أعضائه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتقدمه ) "3" .
وثمة تعريفات أخرى كثيرة ، غير أنها لم تسلم كلها من الانتقادات ، وإنني لأعد قضية التعريف تلك إشكالية حضارية معقدة ، وليس هذا مجالَ البسط ، وبازاء التعريفات السابقة يكفي أن أشير هاهنا إلى عموميتها وعدم اصطباغها بالمعنى الشمولي الذي يفي بركائز التحضر في الفكر الإسلامي . وهذا ما دفعني إلى تقديم تعريف مقترح – يصلح على الأقل لأن يكون مُنْطَلَقاً لهذا البحث – إن الحضارة في نظري :
( نهجٌ حياتٌي متكاملٌ يؤسسُ مجتمعاً إنسانياً مدنياً سعيداً في إطار ثقافي ) .
وهذا التعريف – المضغوط – يحتاج إلى تفكيك وبيان ليس هذا مقامه ، ولكنني أشير إلى نقطة واحدة بشأنه ، وهي :إنني أريد بمصطلح الثقافة المستخدم في التعريف معناه الشمولي الذي ينتظم المفردات الدينية والقيمية والفكرية والاجتماعية بما يتضمنه ذلك من أساليب التفكير والإدارة والحياة . ولإظهار مفاصل ذلك التعريف وأركانه بشكل واضح ومختصر ، أعرض مكونات الحضارة عبر ما أُسميه بـ( الخلْطة الحضارية ) "4" .
الخلْــطةُ الحضـاريّةُ
* ويقوم هذا البحث على اعتبار أن الأمة ذات الإرث الديني الواحد هي الوحدة المنهجية للدراسات الحضارية .
* وأقصد بالمسار الحضاري المراحل التي تتقلب فيها الأمة في درب الحضارة في سبيلٍ قاصدٍ صوْب القمة في دائرة منسجمة مع مركبّها الحضاري .
إذاً هذا المسار من شأنه تحديد المنعطفات التي تنساب حركة الأمة عبرها بَدْءًا من القاع أو "اللا حضارة" إلى تلك القمة . إن هذا المسار يكشف للحركات الإصلاحية ومن ثَّم للأمة أيَّ فضاء من أرض الحضارة تقف عليه ، ليكون ذلك الكشف منطلقاً ضرورياً – منطقاً وواقعاً – لاستئناف السير أو مواصلته في ذلك المسار بالاستعانة بالبوصلة الحضارية ولكن أيُّ شيء تُغنيه تلك البوصلة إن كانت الأمة تائهةً في درب بل دروب الحضارة ؟!
ولقد خلصْتُ إلى نمْذَجة ذلك المسار فلسفياً في إطار ما أفهم أنه يشّكل مركّبنا الحضاري ،وذلك بعرضه عبْر نموذج يَجهد لأن يكون ذا صبغةٍ تفسيرية تنبُّئِية ، يفسر الحدث الحضاري الماضي ويتنبًّأ بالآخر المستقَْبَلِيّ .
فِقْهُ الإقلاعِ الحضـارِيّ :
* تنقدح شرارة الإقلاع الحضاري للأمة من جراء عامليْن اثنيْن يسبق أولهما ثانيهما في الأغلب:
إشراقُ فكرةٍ مُبْهِرَةٍ ذاتِ صبغة دينية عبر مصلح ديني ، في مُناخ ثقافي مناهض للفكرة ، مما يعيّش ذلك المصلح وأتباعه واقعاً مُعْضِلاً ، ويولّد شعوراً عميقاً لديهم بالتحدي . وهذه الإشراقة تُحدث انقلاباً داخلياً في النفوس يفي بشروط ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .
تتمحور الجهود الإصلاحية العملية في تلك المرحلة حول الجانب الروحي – العقدي .
ويترتب على نبوغ الفكرة المبهِرة مقاومةُ الحضاراتِ الأُخرى والقوى المناهضة لسبب أو لآخر لهذه الفكرة؛ فتشتعل روحُ العداوةِ والبغضاء فيما بين الأمة الآخذة بالتقدم الحضاري وفرقائها ، فيتمخّض عن ذلك تحدٍ يسفر عن مدافعة الأمة لفرقائها، أو ما يمكن تسميته بـ( روح الجماعة ) ( النموذج جرى على الأغلب ولذا فقد رتّب كلاً من الاستعداء والواقع المعضل على الفكرة المبهرة فليُتَفَطَّنْ لذلك ) .
لدينا الآن تحديان: الواقع المعضل والاستعداء يقودان – بجانب ما تفرزه الشرارة من شعور – إلى استجابة ( وَفْقاً لنظرية التحدي والاستجابةلِ "توينبي" ) تتمثل بما أسـميه بـ( اهتزاز الكيْنونة الحضارية ) .
ولنا هنا أن نتساءل عن سر هذه الكيْنونة وعن اهتزازها ، هل هي اهتزازة فرديّة أم جمْعية وما تخلّفه من آثار ؟
الكيْنونة الحضارية في رأيي: هي الوعاء الذي يختزن ذلك المركب الحضاري المعقد الذي ينتظم المفردات العقدية والقيمية والأخلاقية والفكرية والتاريخية مع خليط ناضج من الأفكــار والفلسفات المستقاة من مُرَكب الحضـارات الأخرى . إنه -بعبارة أخـرى- ( اللاشعور الحضاري ) .
وهذه الاهتزازة تحدث من جراء ما يفرزه هذان التحدِّيان وما تُشِعُّه تلك الشرارة مما يمكننا تشبيهه بالتموجات التي تحرك البندول ... إذاً تموجات حضارية تهز الكينونة الحضارية، لا لآحاد الناس وإنما للنُّخبة الناضجة المؤثرة ، لينتقل ذلك المركب بتلك الاهتزازة من حيِّز اللاشعور إلى الشعور الحضاري في لحظة زمنية تُؤْذِنُ بحدوث اليقظة وتتسع دائرة اهتزاز الكينونة- بمرور الوقت- لتشمل أفواجاً من الناس بحسب درجة نُضْجهم وعمقهم من جهة ، ودرجة حماس وفاعلية النُّخبة في هز كينونات الجماهير عبر طرح ناضج ملائم من جهة أخرى .
* تأخذ يقظة حضارية بالتشكُّل بفعل تلك الاهتزازات العجيبة ، وتعد المراحل السابقة إرهاصاً لظهور :
- قادة إصلاحيين ينشَطون للعمل في ضوء مركبهم الحضاري القابع في شعورهم ( وليس في لا شعورهم ) . ويغلب على هؤلاء النهج الإصلاحي مع قدرة فائقة على القيادة الفكرية ، وبذلك ينتـزعون اعترافاً واسعاً من قبل الجماهير بريادتهم الفكرية وقدراتهم القياديَّة .
- إرادة نافذة وهمة عالية مخلصة من أجل إحداث التغيير المنشود بعد التعرف على مواطن الداء ومكامن الوَهَن ، فيشرع أولئك القادة في محاولاتهم الإصلاحية التي تتعدى الجانب الروحي – العَقَدِيّ عَبْر قوالبَ متعددةٍ ، إلا أن أولئك القادة مع ذلك يفتقدون في بكور اليقظة إلى الشموليّة – تنظيراً أو تطبيقًا - ، وبذلك نراهم يركزون جهودهم على بعض الجوانب الحضارية دون غيرها . تستمر هذه الإصلاحات فترة من الزمن وتتكامل وتنضَج فكرياً بمرور الوقت ، كما يتبلور في هذه المرحلة طريقة تتسم بقَدْر كبير من النُّضج للتعامل مع الحضارات القائمة والإفادة منها من خلال آليات متنوعة ، فتتضح معالم الشخصية الحضارية للأمة ويتعاظم الالتـزام بها ...
* وفي هذه المرحلة تتراكم أكداس من الأفكار، غير أنها لا تُسْتثمر بصورة كبيرة ، لأن هذه المرحلة من طبيعتها أنها تختزن ( طاقة وَضْع ) تتشكّل بعد فترة ( كطاقة حركة ) "5... وهذه المحصلة أو النتيجة تُدرَكُ بداهةً ... كطفل يلتهم سَمَاعاً بأذنه كلماتٍ لاتعدو أن تكون رموزاً وإشاراتٍ مُبهمَةً ، لتتحدَّر إلى عقله فيهضمها بعد أن تغمرها الخبرة المتراكمة بأنزيماتها ، لتستحيل بعدُ إلى كلمات ومصطلحات ذات مغزى تبعث عقله على تفكير منتج يثمر سلوكاً محدداً ... ومن رامَ وصولَ الأمةِ إلى طاقة الحركة دون المرور بطاقة الوضع فهو كَمَنْ رامَ طفلاً رضيعاً مُكَلِّماً للناس في مهده !!
* تتخمر تلك المحاولات الإصلاحية لتثمر عن تولُّد قناعة ببلورة مشروع حضاري متكامل ويكون مصحوباً ببروز نوع من الإصلاحيين يمتازون بالنَّـْزعة الإبداعية أكثرَ من النـزعة القيادية الفكرية ، وهم –غالبًا- أكثر عدداً من سابقيهم ( القادة الإصلاحيين ) وأقلُّ منهم ظَفَراً باعتراف الجماهير بقيادتهم الفكرية . ويأخذ الإصلاحيون المبدعون على عاتقهم إكمال المسيرة الإصلاحية ولكنهم في هذه المرحلة يتبَنَّوْن بلورة مشروع حضاري في إطارهم الثقافي ، ليكون بمثابة الخُطَّة الحضارية الاستراتيجية التي يؤمنون بأنها سبيلهم القاصد صوْب إقامة صرحهم الحضاريّ المنشود .
* يتمكن الإصلاحيون المبدعون من إنضاج مشروعهم الحضاري ، ويشرعون بخُطُوات تطبيقية تزداد مع الوقت كمّاً وتنضَج كيْفاً ، مع استغراقه وقتاً طويلا ً بلورةً وتنفيذاً .
وإِبَّان مرحلَتَيْ اليقظة والمشروع ، وخصوصاً المشروع ، تـزداد جذوة الصراع بين الأمة وفرقائها ، ليصل لهيبها إلى كافة الميادين ، بسبب تنامي شعور الآخر بأنّ ثَمَّةَ مَنْ جعل يتطلع إلى نهوضٍ وتمدُّدٍ على بساطة ، لتتحقق بذلك جزماً نبوءة السُّنة الإلهية في ( التدافع والتداول الحضاريِّيْن ) التي تفضح كذِبَ نبوءة ( نهاية التاريخ ) لِ "فوكوياما " وتبين تفاهتَها ، قال الله تعالى : " قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيُروا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ( 137 ) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلِْمُتَّقِينَ ( 138 ) ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( 139 ) إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْك الأَيَّامُ نُداَوِلهُا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ والله لا يُحبُّ الظَّالِمينَ ) . [آل عمران ] .
* لتصل الأمة- بعد ذلك المشوار المضني- إلى نهاية المسار الحضاري الذي تقيم على ضفافه صرحها الحضاري لتؤسس بذلك مجتمعاً إنسانياً مدنياً متماسكاً سعيداً منتجاً في إطار مِنْ عقيدتها وقيمها وأخلاقها ، ولتنعم البشرية كافةً بذلك .وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أن الأمة قد تتعثر في مسارها في مرحلتي اليقظة والمشروع بشكل يُعجِزُها عن المواصلة ، فتحدث انتكاسة حضارية تعيدها إلى الوراء لتُصابَ بعدُ بوَهَنٍ تختلف حِدته بحسب قوة الفيروسات الحضارية، وسرعةُ نفاذها وتغلغلها في جسدها ، وهذا يؤكد على الدور الخطير الذي يلعبه قادة العلم والفكر في تطبيب الأمة حضارياً بالوقاية تارة وبالعلاج تارة أخرى والذي يتطلب- جزما-ً إنـزالَ مِبْضَعِ الِجراحة على الأورام الحضارية في عمليات جريئة قد تكلف الطبيب كثيراً كثيراً ... لتعاود الأمة سيرها بعد أن تلتقط أنفاسها وتتعافى من وَعْكتها ...
وما دام الحدَثُ ظل شاداً لأنظارنا صوْبَ سيْرورة الأمة من القاع إلى القمة في ثنايا المسار الحضاري ، فلا بأس- حينئذ- بالتفاتةٍ عَجْلى نلقي من خلالها شيئاً من الضَّوْء على السيرورة المعاكسة ، سيرورة الأمة صوب القاع بعد أن تبلغ القمة ... بإيماءة خاطفة. أقول:إن المشروع الحضاري يجسّد في حقيقته الماء والسَّماد والهواء التي تتضافر لإنبات بذرة الحضارة فتأخذ بالنمو إيراقًا وإظلالًا وإثمارًا... وتبقي الشجرة طيبةً مثمرة ما بقيت عوامل نموها ، ولعلي هنا أُلَمِّح إلى أنَّ مادة لحائها هو أول ما تفقده هذه الشجرة ،والمتمثل بالبعد العَقَدِيّ والأخلاقي ، لتتيبّسَ شجرةُ الحضارة وتتخشّب من ثم – كما يقول "شبنجلر" في تعبير رائع -عن المدنية ... "تتحول فيها الأمة إلى عمال في مصنع كبير .. يُهَرْوِلون ، يلهثون ، يأكلون في جو مُفْعَم باللهو والشَّهَوات والبؤس والشقاء ثم ما تلبث أن تهوي حطاماً تذروه رياح التغيير وتختزنه – وربما- تبتلعه ذاكرة التاريخ !"
* وحيث إن الأمة -في نظري- قد حطت رحالها منذ فترة في رحاب اليقظة الحضارية وما تـزال تمد رُواقها في تلك الرِّحاب ، فإننا ننتظر أن تلملم نفسها وتجمع متاعها عبر عملية شاقة طويلة لِتَغُذَّ السير صوب بَلْورة مشروعها الحضاري ... تلك المرحلة المضنية التي تستغرق وقتاً طويلاً وتسـتلزم جهداً مخلصاً متواصـلاً وإبداعاً خلّاقاً ...
المشـروع الحضـاري: خُطَّةٌ لأُمّةٍ آخذةٍ بالتَّحَضُّر عقب استيعابنا الناضج لموقع الأمة الإسلامية الراهن في المسار الحضاريّ بمتغيراته الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، يمكننا الولوجُ في مناقشة أَقْصَدِ السبل لبلورة مفردات مشروعنا الحضاري ومن ثم تنفيذه . أجزم أننا لا نطيق إلى ذلك سبيلاً إلا بعد أن نسعى عبر تفاعلاتنا البحثية الصادقة وتأملاتنا الفلسفية الناضجة لإحداث حفْرياتٍ فلسفية متعمقة في بنية المسألة الحضارية ، مستكشفين ماهيّة الحضارة ومكوناتها ،متلمسين سنن التغيير الحضاري وشروطه ومعوقاته ، على أن تتم هذه الحفريات بمعاولنا نحن لا بمعاول غيرنا وفي محيط فكرنا الإسلامي الرحيب ، لنكون قادرين حينذاك على جلب لَبِناتٍ صالحة وكافية لتشييد صرحنا الحضاري الراشد .
والمشروع الحضاري ببساطة ووضوح يجسد خطة حضارية واقعية – في سياق المسار الحضاري – تنتظم أهدافاً محددة مربوطة بوسائل تحقيقها في ضوء معطيات الواقع ومؤشرات المستقبل تمهيداً لاستغلال الطاقات المتاحة وتجاوز المعوقات الحضارية . ومثل هذا المشروع الضخم لا يمكن أن تنهَض به اجتهاداتٌ فرديةٌ بل لا بد من جُهْد جماعي تكاملي ناضج ليتشكل لَبِنَةً لَبِنَةً ليشمَخَ البناء وتطيبَ الثمرةُ .
وبات جلياً- مما سبق- أنه يتعين انبثاق ذلك المشروع من مركّبنا الحضاري ، مع تفعيل الأدوات العصرية واستيعاب كافة المتغيرات . وهي مسألة يكاد يُجْمَع عليها ، غير أن مسألة أخرى متعلقة بذلك المشروع هي أخطر من سابقتها وأكثر إلحاحاً في المرحلة الحضارية الحرجة التي تمر عبرها أمتنا ، وهذه المسألة يتعذر الزعم بانعقاد الإجماع عليها في الحاضر ، بل قد يصعب نيْله في المستقبل القريب ، وهي مسألة كيفية مناقشة وإنضاج المشروع بأدوات منهجية تحليلية نقدية ؛ بحيث تتمخض عن بلورةٍ ناضجة لمفردات ذلك المشروع ، بلورةٍ تأخذ طريقها نحو التنفيذ والتحقق وجني الثمار .
ولهذا فقد آن لنا مجافاةُ الخطابية العاطفية والإنشائية الفارغة في تناولنا لمشروعنا الحضاري، لنصل إلى تبني آلية تتسم بقدْرٍ كبير من العمق والنُّضْج مع تلبُّسها بمضمون واقعي وتدثرها بديباجة يمكن ترجمتها إلى لغة نخبوية وأخرى جماهيرية وإثر سلسلة من التأمل الطويل لهذه المسألة وبعد مدارسة الإسهامات المتنوعة خلصْتُ إلى أنَّ من أفضل السُّبل لبلورة ذلك المشروع تبني ما يسميه البعض بـ( الأفكار المحورية ) التي تنتظم مجموعة كبيرة من الأفكار الجزئية (6) ، ليصبح الإيمان بالفكرة المحورية سبيلاً إلى الإيمان بتلك المجموعة ، وهذه الأفكار المحورية يجب أن تتصف بالشمول والتكامل كيما تكون صالحة بمجموعها لتمثيل المشروع الحضاري الذي يمثل بدوره الإسلام عقيدة وشريعة وفلسفة إزاء الكون والحياة والإنسان ... ولذا فمثل هذه البلورة مهمة شاقة عسيرة ، غير أنني في هذا البحث المتواضع أزمعت المضيَّ قُدُماً بُغيةَ الإسهام في اقتحام هذا السبيل المحفوف بالصعوبة والغموض ...
وقُبَيْل الشروع في تناول الأفكار المحورية التي أعتقد أنها تفي بمتطلبات بلورة المشروع الحضاري ، أُلمح- في عُجالة- إلى أنه لا يكفي بلورة الأفكار المحورية نظرياً ، بل يتوجب إذابتُها لا في بوتقة العمل الإصلاحي الحضاري فحسب ، بل يتعين انسيابها من الإصلاحيين أنفسهم ؛ من حركاتهم وسَكَنَاتهم ، في رخائهم وشدتهم ، وأن تُترجم في أهدافهم وبرامجهم ، بيوتهم وأعمالهم ، وفي أفعالهم قبل أقوالهم ، لتستحيل تلك القضايا والأفكارُ إلى أكسجين منبعثٍ في فضاء الإصلاح يتنفسه كل أحد ... يتنفسه الرائح والغادي .. القريب والبعيد .. الصديق والمعادي ... أي أننا نطالب بأن يكون المشروع الحضاريُّ روحاً ينفخ الإصلاحيون فيه الحياةَ بتمثلهم مفرداتِهِ ، وسعْيهم من أجل نشره وتنفيذه بكل إخلاص وإبداع وإتقان ...
ومن أهم الأفكار المحورية التي تسهم في بلورة ذلك المشروع ما يلي :
1- التوحيدُ الخالصُ العمليّ : أساسُ الحضارة .
2- الإسلامُ : دينٌ وتشريعٌ وحياةٌ .
3- لِيَكُنِ القرآنُ هادياً : فهمًا ومعايشةً وتطبيقًا .
4- انبثاقٌ من الكتاب والسنة : توحُّدٌ في المنطلقات .
5- فعاليتُنا الروحيةُ : وَقُودُنا للتغيير .
6- تحسينُ طرائق التفكير : مفتاحُ التغيير الحضاريّ الفكريّ .
7- "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" : مفتاحُ التغيير الحضاريّ العملي .
8- إرادة التغيير ( إنّ إبراهيمَ كان أمةً ) : رجل بأمة .
9- العلم : بمجالاته وتراكميّته وترابطه .
10- تكريمُ الإنسان : معيارُ تفوقِ الحضارة .
11- تنميةُ الإنسانِ أولاً : مؤشرٌ لفقهِ الأولويّات الحضارية .
12- العدالةُ : ركيزةُ البناءِ الحضاريّ .
13- الموضوعيّةُ : البحثُ عن الحقيقة .
14- الحريّة : في إطار مُنْضَبِط .
15- النقدُ : عمليةٌ بنائِيّةٌ .
16- الإبداعُ : مقوماتٌ وبيئةٌ .
17- نهجٌ إداريٌ فاعلٌ : إنجازُ التَّميُّز وتميُّزُ الإنجاز .
18- الوقتُ : فضاءُ الإنجاز والعطاء .
19- الفاعليةُ والإتقانُ : قيمُ العملِ المنتجِ .
20- نمارسُ كافةَ أعمالنا لنكتفيَ بذواتِنا : العملُ شرفٌ وإنتاجٌ .
21- الأخلاقُ والذوقُ الجمالُّي : الأناقةُ الحضاريةُ .
22- الإسلامُ : دينٌ وجنسيةٌ .
23- الانفتاحُ والاستيعابُ والإفادةُ من الآخر : في دائرة الخصوصية .
24- الرجلُ والمرأةُ : حلَقتان متكاملتان وعاملان مُنتجان .
25- الجماعةُ قبل الفرد : نحن أولاً .
وجَلِيٌّ أن فكرة محورية مما سبق تفتقر إلى دراسات تفصيلية متعمقة وَفْقَ منهجية محكَمة تستهدف سبك تلك الأفكار في إطار يوفّق بينها ويُفلح في تغذية وتقوية بعضها ببعض ، وشدّ لَبِنَاتِها إلى بعض؛ ليطيبَ جَنى المشروع الحضاري ويفوحَ عبيرُه . وإني على أمل-ٍ لا يخالطه شكٌّ ولا يشوبُه يأْسٌ -بتحقق ذلك فيما نستقبل من الأيام .
مشروعُنا الحضاري : دواعي البلورة
بإيجاز أشير هاهنا إلى أهم الأسباب أو الإيجابيات التي قادتني إلى الاقتناع بضرورة بلورة ذلك المشروع عبر الأفكار المحورية :
1- إنّ بناء المشروع على هذه الصفة يتيح لنا التفكير بمنظور شمولي كلي إزاء القضايا الكلية التي يتعين علينا الاهتمام بها والوفاء بمتطلباتها من أجل إقامة الصرح المنشود ، هذا اللون من التفكير ( الحضاري ) يتَّكِئ على ذاكرة قوية أمينة ، مستوعبة لتلك القضايا مما يجنّبنا ألواناً من الذهول أو التخبط في مسيرتنا الحضارية ... كما أن هذا التفكير يعرُجُ بنا إلى فضاءات التحليل المتعمق لنتجاوز النظراتِ التجزيئيةَ الضيقةَ . إننا بهذا الاستيعاب الناضج لتلك القضايا لا نعجِزُ عن ممارسة واعية نفرق فيها بين قولنا : ( لا ) بالمنظار التجزيئي وقولنا : ( نعم ) بالمنظار الحضاري ( أو العكس ) تجاه قضية أو أخرى ... ولذا فلا نجد غضاضة من أن تضيقَّ صدورُنا وتغتَمَّ قلوبُنا لموضوع ما بالنظرة التجزيئية القريبة ، في وقت نجد أنفسنا جَذالى بنظرة حضارية بعيدة ... لا أجد أفضل مما يسمى "بالعولمة" مثالاً على ما أقول ... "فالعولمة" بنظرة تجزيئية قد تبدو لأحدنا على أنها شرٌ كثيٌر مخلوط بخير قليل ، وأن عواقبها سيئة إجمالاً ... وهذا صواب غير أنني أجزم بأن "العولمة" بنظرة بعيدة خير وفير للأمم المستضعفة قاطبة ...
إن "العولمة" في رأيي حماقة حضارية كبرى ارتكبتها الأمة المسيطرة لتفرز استفزازاً حضارياً إيجابياً للأمم المستضعفة ، لتعمل من ثم على دفع تُروسها وتعجيل حركة دواليبها في خِضَمِّ مسيرتها ...
ومَنْ يملك الوَّقودَ –حينذاك- يقدر على المضي قدماً صوب القمة ... كما أن "العولمة" -من جهة- ثانية ترسخ بعض المفاهيم الحضارية في جماهيرنا السَّادرة .. كالحرية- مثلاً-والتي تعد مطلباً رئيساً لبناء حضارتنا ، فالجماهير التي تربّت على الاستخذاء والخضوع للطغيان الدكتاتوري أو الكبْت الفكري لا يمكن لها- ألبتة- أن تفكر بالنهوض فضلاً عن النهوض ...نعم هي متفلتة تلك الحرية التي تغرسها العولمة، ولكن ضبطها أيسر بكثير من غرسهـا.
2- ينضاف إلى ما سبق أننا بهذه البلورة نكون قادرين على التفكير في كيفية تحقيق وترسيخ وتطبيق الأفكار المحورية عن طريق التخصص عبر الأشخاص والبرامج ... فكلُّ منا يتخصص في فكرة محورية أو أكثر ، وتستهدف برامجنا العملية فكرة محورية أو أكثر
وهكذا ... وبذا نضمن الإتيانَ عليها جميعاً ...
مشروعنا الحضاري : مُتَطَلَّباتُ التنفيذِ
ولتنفيذ مشروعنا الحضاري في ضوْء ما سبق من القضايا والأفكار المحورية ، يتعين-في نظري- مدارستُها بغيةَ إنضاجِها وتحديدِ سبل إذابتها في العمل الإصلاحي وترسيخها والوفاء بمتطلباتها .
ومن أجل الاختصار فإنني أشير هاهنا إلى أهم متطلبات تنفيذ المشروع الحضاري في خطوط عريضة ، تماماً كما فعلْتُ في عرض الأفكار المحورية مُرْجِئاً التفصيلَ إلى دراسة أخرى بعون الله وتوفيقه . من الأمور المعينة على تنفيذ المشروع ما يلي :
1- حقْنُ كينونتنا بمركّب الحضارة .
2- المسارعةُ لإنتاجِ الكوكبةِ ( الطلائع ) الحضارية .
3- حلُّ الإشكاليات الثنائية الجدليّة وبخاصة التراثُ / المعاصرةُ أو العقلُ / النصُّ ، التحديثُ / الجمودُ أو الانفتاحُ / الانغلاقُ .
4- التعمُّقُ في مباحث إسلامية المعرفة بما تتضمنه من تأصيل إسلامي واعٍ للعلوم الاجتماعية
5- العنايةُ بالأسرة واعتبارُا نواةً للخلية ومنطلقاً للبناء .
6- تبني آلية التطوير الذاتي ( مناهج تطوير الذَّوات ) .
7- فهمُ وتفعيلُ آلية التغير الاجتماعي في الإطار السُّنني .
8- التعاملُ الناضجُ مع الحضارات الأخرى .
9- العمل المؤسسي المنبثق من أدوات العصر عبر إدارة فاعلة ( المدارس ، الإعلام ، التدريب، والاستشارات ... ) .
10- إصلاحُ مؤسسات التعليم .
11- القدرةُ الاستيعابيةُ لكافة الجهود .
12- إلمامٌ وتفعيلٌ لآلية انتشار الأفكار .
13- إنشاءُ مركزٍ للدراسات الحضارية .
14- إنشاءُ مركزٍ للدراسات المستَقْبَلِيّة .
هذه خلاصة تأمُّلاتي البحثية المتواضعة إزاء قضايا شائكة في المسألة الحضارية ، راجياً أن تساهم في تفكيك وقراءة شيء من طلاسمها ومعضلاتها ، مع إيماني بأنها تحتاج إلى وِقفة أوسعَ وأعمقَ ؛ ولذا فإنني أرجو أن نتوفّر -أنا وغيري -على دراسة مفرداتها ... وأجدني –أخيراً- أتساءل متفائلاً : ألم يأْنِ لأبحاثنا أن تتخلّق في رَحِمِ مركبنا الحضاري؟! أَتُحَرّكُ خلاصتي هذه ماءً راكداً في محيطنا الحضاري ؟؟ ... هذا ما أرجوه وأتمناه .. (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرضَ لله يورثُها مَنْ يشاءُ مِنْ عباده والعاقبةُ ِللْمتقين" ( الأعراف 128 ) .
المراجع والهوامش :
* نُشر الجزء الأول المتعلق بالمسار في جريدة الحياة ، 18 / 3 /200(عدد 13511 ) بعنوان : نحو نمذجة المسار الحضاري : تأملات بحثية ، ولكن الجريدة لم تثبت- للأسف الشديد- المراجع في نهاية البحث مع أنه كان مثبتاً كما أنها لم تلتزم بعنوان البحث ، وأرجو التنبيه من جهة ثانية إلى أن هذا الجزء تضمن بعض الإضافات .
1- ابن خلدون : المقدمة ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط 1 ، ص 290 . وبازاء تعريف ابن خلدون- رحمه الله تعالى- أشير إلى أن مصطلح الحضارة الذي عّرفه لم يكن بالسَّعة التي بات يتفق عليه الأكثرية الآن ، ولذا فلا يمكن محاكمة هذا التعريف على أنه يمثل الرؤية الإسلامية لمصطلح الحضارة ، ولكنني فقط أثبته لإعطاء لمحة تاريخية لتطور المصطلح .
2- وِلْ ديورانت : قصة الحضارة ، ج1 ، ص 3 وقد سقت هذا التعريف لا من أجل الإفادة منه ، ذلك أنني أرى أن التعريف لمصطلح كالحضارة يتعين انبثاقه من مركّبنا الحضاري ، ولكنني رُمُتُ بذلك التأكيد على قصور التصور الغربي للحضارة على أن هذه القضية أضحت جليّةً في أذهان الكثيرين .
3- مالك بن نبي : مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ، ص 50 .
4- ثمة كتبٌ كثيرة جداً يُفادُ منها في موضوع الخلطة الحضارية أبرزها كتب الأستاذ الكبير مالك بن نبي ، انظر مثلاً له : شروط النهضة ، مشكلة الأفكار ، ميلاد مجتمع ، وانظر كتاب : مؤشرات حول الحضارة الإسلامية ، د . عماد الدين خليل .
5- د . محمود سفر : دراسة في البناء الحضاري ، كتاب الأمة ، قطر ، العدد 21 ، 1989 ، ص 96 .
6- د . سيد دسوقي حسن : مقدمات في البعث الحضاري ، دار القلم 1987 ، ص

 

المصدر :مجلة المنار الجديد - العدد :الخامس عشر - صيــــف 2001 .


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: