اعتراضات (آل تويتر) على السلبيات العشرين!

                                                                                          د. عبدالله البريدي

 

 

«تويتر» قطعاً ليس مقدَّساً ولا منزَّهاً عن النقد. أليس كذلك؟ ومؤكد أن نقدي السابق له لم يتوجه إلى التقنية بحد ذاتها؛ فهي محايدة في سياق تحليلنا للتواصل الاجتماعي في العالم الافتراضي، وإنما النقد متوجه إلى التطبيقات البشرية، وهي مسألة شديدة الوضوح كما نعلم.

أقدر لفئات عريضة من «آل تويتر» تفاعلهم الإيجابي مع طرحي السابق حول سلبيات تويتر، وذلك بحسب رصدي وما وصلني من رسائل واتصالات ومناقشات مباشرة؛ حيث وجدت تفهماً وعقلانية ورقياً في التعاطي مع هذا النقد، وفي الضفة الأخرى وجدت أن قلة منهم قد انحازوا إلى نسف العملية النقدية برمتها والاحتماء بأسوار غليظة من اتهام النوايا والتقرير بأنني من أعداء الحرية ومن أدوات الصحافة الورقية التي تحارب الإعلام الجديد وتضيق ذرعاً بانتشارها وتأثيرها، ونحو ذلك من التهم أو التسفيه. سامحهم الله. فقد أبديت - لمن لا يعرفني - احتفائي الشديد بنصرة «تويتر» للحريات العامة، وأكدت في الطرح السابق أن ذلك هو أكبر المكاسب، وأنه يتحتم علينا جميعاً المحافظة على صون الحريات والدفاع عنها بكل قوانا.

ومن جهة أخرى يمكنني القول إن هنالك انعكاساً جلياً للصبغة التي تميز بها «تويتر» في السرعة والإيجاز في التعاطي مع نقدي لتويتر والسلبيات العشرين؛ حيث لم أرَ تناولاً فيه قدر من التفصيل لمعالجة بعض المسائل النقدية بنَفَس معمَّق، وإنما هو تناول عام، وتعليقات خاطفة مجملة، وأنا لست بقادر على لومهم؛ فهم في «معركة» يطاردون فيها «المثير» هنا وهناك.

ولعلي أتناول أهم النقاط التي أدلى بها البعض حيال نقدي السابق، وتتمثل في أنه لا يسوغ لي - من وجهة نظرهم - الحكم فضلاً عن النقد لتويتر ما لم أخض التجربة بنفسي. ولي مع هذا الرأي وقفة مكثفة، فهي قضية محورية في المنهجية العلمية؛ فهي التي تحكمنا في الرصد والتحليل والتشخيص للمسائل والظواهر المختلفة. حسناً، دعونا نأخذها بهدوء كاف. أي إجراء منهجي نتخذه بوصفنا باحثين ومثقفين وكُتَّاباً في التعاطي مع المسائل والظواهر يجب أن نفكر في تأثيره على النتائج التي نصل إليها. فمثلاً تخيلوا أنني جربت تويتر بشكل عملي ثم رحت أكتب عن سلبياته. في هذه الحالة، قد - أقول قد - تتأثر النتائج بشكل كبير بتجربتي الذاتية ومعاناتي الشخصية، وهذا ما يجعل النتائج تفشل في نقل ما هو أكثر من «انطباعاتي الذاتية»، بمعنى أن «التحيز» لتجربتي الذاتية يشوه عملية اصطياد السلبيات للفئات المختلفة في تويتر، وكل ذلك يقلل من إمكانية تعميمها على فئات أخرى في تويتر. أليس منطقياً هذا الطرح؟ قد يُقال: ولماذا تقلل من شأن نقل التجارب الذاتية؟ أبداً، لا أقلل من قيمتها؛ إذ يمكن لي رصد تجربتي والبوح بنتائجها، بشرط الإفصاح عن كونها «مجرد تجربة ذاتية». طبعاً هذه النتائج تحمل قيمة للبعض، وذلك بحسب اقتناعهم بمن قام بهذه التجربة ورصيده المنهجي والمعرفي. من المهم الآن الانتقال إلى السيناريو الآخر، وهو الوضع الذي لا أكون فيه منغمساً بشكل مباشر في تويتر، مع تفهمي لطريقة عمله ورصدي لعدد من تجارب الآخرين وتحليل بياناتهم. هذا السيناريو من المفترض أنه يجعلني أكثر قدرة لتجاوز «تخوم الذات» لكي أطارد العوامل الجوهرية المؤثرة في المسألة التي أفكر بها وأبحث فيها، وهي «سلبيات تويتر»؛ ما يجعل النتائج تعكس بدرجة أكبر تجارب عديدة ومتنوعة، وليس مجرد تجربتي الذاتية؛ الأمر الذي يمكّننا من الوصول إلى نتائج ذات «قدرة تفسيرية» أكبر للمشهد في تويتر.

وعلى هذا فيكون من الأفضل منهجياً ابتعادي عن الانحياز للتجربة الذاتية المباشرة؛ في محاولة لاصطياد السلبيات كما هي من خلال تجارب الآخرين. فنحن في العلوم الاجتماعية والإنسانية نقول إن الباحث في موضوع الحَمْل بالنسبة للمرأة على سبيل المثال لا يلزم أن يكون «حاملاً بجنين في بطنه»، رجلاً كان أم امرأة! ومن يبحث في المخدرات لا يلزم أن يكون مدمناً، وهذه مجرد أمثلة، ولا تُحمَّل ما لا تحتمل، فهي بقصد الإيضاح للفكرة، لا أكثر.

طبعاً أقول ما سبق من باب توضيح قضية أساسية في مناهج البحث العلمي، مع عدم الزعم بأن ما طرحته يمثل بحثاً ناجزاً؛ فهو مجرد تشخيص ثقافي يجهد لأن يتلبس بالمنهجية قدر المستطاع، أو هو محاولة بحثية في صورتها الأولية على أفضل تقدير. إذن لا يمكن نسف العمل النقدي برمته من جراء عدم دخولي بشكل مباشر في تويتر، فالمنهجية العلمية لا تلزمني بذلك، بقدر ما تلزمني بالتأكد من نوعية البيانات التي أقمت عليها التحليل والتشخيص.

ومن جهة أخرى، أشير إلى أن ثمة تغذية راجعة من قِبل العديد من آل تويتر تؤيد هذه السلبيات أو معظمها، ومن ذلك ما رصده أحدهم؛ حيث يقول إن بعض المتميزين من طلاب العلم، الذين كان لهم نتاج توقف عن الكتابة بعد تجربته في تويتر، وصار بحسب المصدر: «يكتفي بكليمات لا يتحمل ضريبة القول بها، إذ بعضهم إذا نوقش قال: لست في صدد الإقناع والاستدلال»، ثم يردف قائلاً: «ولكن 140 حرفاً لا تكفي»، يقصد في المناقشات العلمية والفكرية والسياسية والاقتصادية (الاختزالية المميتة).

ومن زاوية أخرى أشدد على قضية خطرة للغاية، وقد أوردتها ضمن السلبيات العشرين، وتتمثل في أن: «التغريد يزهّدنا باللغة العليا التي تصنع الأفكار وتبلور المفاهيم (تقشف لغوي)». أنا أدرك أن تويتر يتطلب السرعة والرشاقة اللغوية. هذا أمر أتفهمه، ولكنني أرجو ألا يدفعنا هذا الأمر إلى ما هو أكثر من استخدام اللغة العربية الميسّرة. أما الإكثار من استخدام اللهجات العامية فهو غير مقبول في نظري. وهنالك مسألة تصل عندي إلى تصنيفها - واسمحوا لي - ضمن «الجرائم اللغوية الثقافية»، ويتمثل ذلك في إقحام الكلمات الأعجمية وكتابتها بأحرف عربية وعجنها في الجملة لتعمل كما لو كانت عربية فصيحة. نعم، هذه جريمة لغوية ثقافية بامتياز، وذلك أنها تحقن المنظومة اللغوية بهجين مشوه من الكلمات الأعجمية المتناثرة، وليس ثمة أي مبرر لمثل هذا السلوك المعيب. من يُرِد أن يتحدث بأي لغة أجنبية - كالإنجليزية مثلاً - في التغريد فله ذلك، ولكن عليه أن يحول لوحة المفاتيح ويكتب بالإنجليزية مباشرة ما يشاء. بهذه الطريقة نكون قد جعلنا من اللغة أداة تواصل بحسب الشريحة التي نتعامل معها، ووفق احتياجاتنا، دون أن نجترح تلك الخطيئة اللغوية الثقافية.

بكل صراحة وحزم، أقول للإخوة والأخوات: أنتم مسؤولون عن لغتكم العربية؛ فقوموا بصيانة هذه اللغة العجيبة الفريدة، وهي من أعظم لغات البشرية، وأقدمها، وأكثرها مرونة وحفزاً على الجمال والإبداع. نعم، نحن جميعاً في الإعلام الجديد وفي القنوات الإعلامية وفي الصحف والمجلات الورقية والمؤسسات التعليمية مسؤولون عن لغة الضاد، فلا تخذلوها، وكونوا حازمين مع أنفسكم ومع أصدقائكم أيضاً، وتناوبوا في التنبيه للأخطاء والهفوات؛ لنسهم بذلك في بناء القدر الواجب من «الاستعلاء اللغوي»، الذي تتلبس به أي أمة تقدِّر ذاتها، وتحفظ حقها في العيش الإنساني الكريم، وفق منظومتها الثقافية وقيمها الحضارية.

ولكي أكون عملياً في اتجاه تعزيز التطبيق الإيجابي لتقنية تويتر أطرح فكرة بصورتها المبدئية، وأترك لمبدعي تويتر الفضاء كاملاً لمناقشتها وتطويرها وهندستها بتفكيرهم الخلاّق. هذه الفكرة تتلخص في ابتكار منظومة من المختصرات التي تعكس بعض المفاهيم ذات العلاقة بالتطبيق العملي في تويتر؛ حيث تنقل دلالات تُسهم في جعل تغريداتنا أكثر دقة وضبطاً وأمانة، ونحو ذلك. وبالمثال يتضح المقال. يمكن لنا أن نستخدم الاختصارات الآتية:

1. (إش)، هذا الاختصار يُقصد به أننا إزاء إشكالية، ويصعب من ثم مناقشتها في تويتر.

2. (قش): قضية هامشية، ويحسن بنا تجاوزها.

3. (قم): قضية محسومة، ومن ثم فلا داعي لإضاعة وقتنا بها.

4. (قف): قضية تحتاج إلى فكر معمق.

5. (غم): غير مؤكد.

6. (فم): فكرة مبدئية.

7. (خش): خاطرة شخصية.

8. (فش): فضفضة شخصية.

9. (رش): رأي شخصي.

10. (خن): خرجنا عن النقاش.

لست أدري في حقيقة الأمر عن مستوى ملاءمة فكرة الاختصارات؛ فقد تروق لكم، وقد لا تعجبكم أصلاً، بل ربما تكون مجالاً للتندر، خاصة أنها جاءت من خارج أسوار «قبيلة تويتر». لا بأس حينها. فقط ارموها خلف تغريداتكم. ما قصدته هو التفكير بصوت مسموع في اتجاه تطوير أدوات الخطاب في الإعلام الجديد، لا أكثر ولا أقل.

ولعله من المفيد الإشارة إلى حاجتنا الماسة إلى إسهام علماء النفس والاجتماع والطب النفسي في الرصد والتشخيص للمشهد في تويتر وما يشابهه في الإعلام الجديد، وذلك أنني أعتقد بأن السلبيات التي ذكرتها قد تفضي ببعض الفئات المدمنة بالذات إلى أمراض أو عُقَد نفسية. دعوني أذكر على ذلك مثالاً واحداً. نظراً لسمة السرعة الفائقة في تويتر التي تُحسبُ بالثواني، بل بأجزاء من الثانية، فإن ذلك مرشح لأن يصبغ عقولنا بنمط من «التفاعلية الآنية» التي تجعلها تتصور «الواقع» كما لو كان يتشكل أو يتغير بثوان معدودة. قد يحدث هذا في تصوراتنا في البيوت وفي أماكن العمل وفي الفضاء العام؛ الأمر الذي يوجد اضطراباً محتملاً في العملية الذهنية ذاتها، وذاك أمر قد يفضي إلى تشكل «اتجاهات» ومن ثم سلوكيات مشوهة. أي أننا إزاء احتمال تشكل ما يمكن أن نسميه - بنوع من المبالغة - بـ»عقلية الفيمتوثانية» (الفميتو ثانية هي جزء من مليون مليار جزء من الثانية). وهي عقلية مؤذية ذهنياً ونفسياً وربما سلوكياً. هذا مجرد فكرة أولية، وقد تجاسرت على طرحها لإعطاء مثال على نوع الرصد والتشخيص الذي أطالب به علماء النفس والأطباء النفسيين وعلماء الاجتماع، خاصة أن عدداً من الباحثين قد شكّلوا في السنوات الأخيرة حقلين معرفيين جديدين، يُعرفان بـ»علم النفس الافتراضي» Virtual Psychology، و»علم الاجتماع الافتراضي» Virtual Sociology.

وأخيراً أقول لبعض الأصدقاء الذين تنبؤوا بالتحاقي بـ «تويتر» في المستقبل القريب بأنني على قناعة تامة - حالياً على أقل تقدير- بأنني ما زلت «أريد رأسي»، فهو غاية في المحدودية. هذه وقفة مختصرة مع اعتراضات أصدقائي من «آل تويتر»، وأقول لهم جميعاً: أعانكم الله في تحقيق جزء من رسالتنا النهضوية، وفق أدواتكم وما تنشطون به، وما تحسنونه، فـ «قيمة الإنسان ما يحسنه، أكثر الإنسان منه أم أقل»، كما يقول عمر بن الوردي، رحمه الله.

beraidi2@yahoo.com

 

 

المصدر:جريدة الجزيرة السعودية، 24/11/2011


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: