إعادة استنباط المعرفة

  

عرض: عبدالله البريدي

 

          

            الكتاب:   إعادة استباط المعرفة – من الإسكندرية إلى الإنترنت Reinventing Knowledge     

           المؤلف:     أيان ف ماكنيلي Ian F. McNeely ، وليزا وولفرتون Lisa Wolverton  

           ترجمة: د. خضر الأحمد

           عدد الصفحات : 248 صفحة

          الناشر:  دار الكتاب العربي، بيروت

          الطبعة: الأولى/ 2010

 

 

 

 

إرسال المعرفة بالبريد إلى المستقبل!

"تَصوَّر كل المعارف في الشبكة العنكوبتية العالمية www ... إن كل شيء نسميه معرفة سيصبح مرقمناً digitized ويمكن النفاذ إليه accessible من قبل الجميع، ومفهرساً تماماً ويمكن البحث عنه  searchable بسهولة. ليس هذا مجرد خيال علمي، بل حقيقة لرواد الإنترنت مثل غوغل Google ، المنخرطة في مسح scanning مقتنيات بعض أكبر المكتبات في العالم"، هكذا بدأ المؤلفان كتابهما، ثم واصلا القول بلغة تستشرف المستقبل المعلوماتي: "لننظر الآن في مشروع بديل حلم به مجموعة مختلفة من الملهمين في مجال الفضاء الإلكتروني (السيبري) cyberspace ، وهو مكتبة العشرة الآف سنة 10000 Year Library ، التي تهدف إلى الحفاظ على المعرفة لتكون متاحة للمستقبل البعيد ، بدلاً من جعلها متاحة فوراً في الوقت الحاضر. سيسمح لنا هذا المشروع بإرسال المعارف بالبريد إلى المستقبل واستلامها من الماضي (من قبل من يعيشون فيه)، وخزن كبسولات الزمن وتذكيرنا بوقت فتحها، والخزن الاحتياطي للكتيبات لإعادة بناء الحضارة في حال حدوث كارثة عالمية. مكتبة العشرة ألاف سنة ليست خطة لحفظ الأسرار تقانياً، لكن الغرض منها  جعلنا واعين بالزمن الذي قد ينساه مجتمعنا السريع الخُطا. ويرى البعض أن عصر المعلومات يهدد بجعل المعرفة سريعة الزوال" ص 9-10.

وتتمثل الأسئلة الرئيسة التي يجهد المؤلفان لأن يجدا إجابات دقيقة لها (بالنص، ص 10):

-       كيف لنا أن نتكيف مع الظروف الجديدة الواسعة لنبثت أنه بمقدورنا إعادة استخراج ثقافتنا؟

-       ما هي المعاهد التي نحن بحاجة إلى إنشائها لنقل معارفنا بمجملها؟

-       هل المكتبات التقليدية غدت من طراز قديم عتيق؟

-       كيف يجب نغيير الجامعات التقليدية؟

-       أبامكاننا التوقع بأن التقدم العلمي سيسحن حياتنا؟

-       ما الذي ستفعله الوسائط الرقمية لإنتاج المعرفة ونشرها عن طريق الكلمات والصور؟

 

وللإجابة على تلك الأسئلة يستعرض الكتاب بسرد تاريخي ماتع مؤسسات المعرفة الست التي سيطرت على الحياة الفكرية في الغرب منذ القدم، ونجحت في حفظ المعرفة ونقلها وتطويرها، وهي: المكتبة، الدير، الجامعة، دولة الأدب، فروع المعرفة، المختبر، وقد أشار الكتاب إلى أن تلك المؤسسات كانت تحمل "مشعل التعلم" في أوقات الاستقرار، وفي أوقات الثوران يعيد الأفراد والمجتمعات استنباط المعرفة عن طريق إقامة مؤسسات جديدة، وقد ركز الكتاب على لحظات النقل والتجديد في إيجاد المعرفة ونقلها.

ويقرر المؤلفان بأنه منذ "قرابة 2300 سنة، بدأت المعرفة تتوسع لتتجاوز حدود عقل الناس – أو عقول مجتمع وحيد من العلماء المنخرطين في جدل وجهاً لوجه، مثل سقراط وأتباعه – لذا فإن تنظيم المعرفة أصبح لا يقل أهمية عن المعرفة ذاتها" (ص 16)، ثم أخذ الكتاب بالتشديد على أنه من الخطأ الاعتقاد أن ثورة الإنترنت وحدها ستفلح في خلق مجتمع المعرفة، حيث "كان على الأجيال السابقة امتلاك المعرفة بواسطة فطنتها، ولم تكن ما تعرفه بوصفه حقائق مسلماً بها" (ص 17).

 

وبعد ذلك شرع الكتاب بسرد حكاية المعرفة لدى كل مؤسسة مألوفة من مؤسسات المعرفة، ولكن بطريقة غير مألوفة. وقد خصص المؤلفان فصلاً لكل مؤسسة، وأنهيا الكتاب بخاتمة، وإرشادات.

المكتبة (300 قبل الميلاد – 500 بعد الميلاد)

الفصل الأول توجه صوب المكتبة، مع الإشارة إلى "ديمتريوس فاليرون" كأول من أسس مكتبة في العالم الغربي، ماهي؟ إنها مكتبة الإسكندرية، وقد بدأ ديمتريوس سيرته العلمية في أثينا، ثم ما لبث أن تولى حكم أثينا وأصبح نموذجاً سيئاً للمفكرين الذين يتولون السلطة، إذ أنه كان دكتاتورياً ، وذاك أمر تسبب له بخلق عدوات عديدة، فهرب وتلقى دعوة من حاكم مصر – بطليموس الأول – للهجرة إلى الإسكندرية، فوافق وأصبح "فيلسوف بلاط بطليموس" ، وقد بادر حينذاك بتأسيس مكتبة الإسكندرية. وقد تعرض الكتاب لقصة بناء المكتبة بالتفصيل، وما ترتب عليها وما تلاها من خطوات وجهود لبناء المعرفة وحفظها ونقلها بما في ذلك أعمال الترجمة من وإلى اللغة اليونانية، كما أوضح الكتاب قصة فهرسة الكتب في مكتبة الإسكندرية، كما عرج الكتاب إلى الحضارة الصينية وكيفية تعاملها مع الكتب بما في ذلك حرق الكتب، والجهود التي قام بها بعض الحكام بتأسيس مكتبات ضخمة، وقد فند الكتاب حكاية تدمير مكتبة الإسكندرية من قبل المسلمين، مشيداً بدور المسلمين في نقل المعرفة وتطويرها، وقد نص المؤلفان على أن المراكز العلمية الإسلامية كانت "طوال قرون أكثر حيوية وأصالة من نظائرها الرومانية الغربية" (ص 47).

الدير (100-1100م)

حين صدر "مرسوم ملكي" بإغلاق "أكاديمية أثينا- مؤسسها أفلاطون" في عام 529 للميلاد، أسس في العام ذاته دير في "مونتي كاسينو" جنوب روما، وقد لعبت دوراً محورياً في حفظ المعرفة وتعميقها، وقد سعت الأديرة إلى حفظ المخطوطات وإيجاد طرائق للتعليم والتهذيب لاسيما في إطار التعاليم الدينية، خاصة أن الدير عرف على أنه "مدرسة لخدمة الله" – بحسب عبارة بينيديكت – كما أنه "أداة للأعمال الجيدة" (ص 69).

الجامعة (1100-1500م)

يشير الكتاب إلى أن أول جامعتين غربيتين (القرت 12 و13) – في بولونيا وباريس - تأسستا بشكل عفوي "حول شبكة من الطلبة والمدرسين" (ص 87)، وقد أوجدت الجامعة لنفسها مكاناً في تنظيم المعرفة وتطويرها بسبب النظرة الضيقة للدير والنظرة الانكفائية، ثم أخذ الكتاب بسرد حكاية غير مالوفة حول نشأة الجامعات وتطورها في العالم الغربي، ولم يشأ الكتاب أن يختم هذا الفصل من دون إلماحة إلى الجامعات في العالم الإسلامي القديم، مع الإشارة إلى التشظي المذهبي والسياسي وأن العلماء ينتمون في الغالب إلى عائلات مرموقة – تشبه على حد زعم الكتاب – الطبقة العليا من علماء الصين وطبقة البراهما في الهند، مؤكداً على ازدهار مطرد للعلم؛ مع عدم أنه "لم يكن ثمة حاجة إلى الأديرة لنشر العقيدة أو الحفاظ على النصوص في قفار همجية. وبدلاً من ذلك فإن انتشار الأفكار وحركة العلماء انتعشا بفضل طرق التجارة والسفر" ، مذكراً ببغداد الحضارة بالقول بأن بغداد أصبحت في العصر العباسي بمثابة مكتبة الإسكتدرية الجديدة، محتوية "علماء كبار متعددي الثقافة" (ص 112)، وقد نوه الكتاب بحركة الترجمة العربية التي أسهمت في جعلها لغة عالمية، نافياً مقولة أن العرب أفلحوا فقط في "تلقي التراث القديم" (ص 113)، وقد نص الكتاب على أن ابن رشد هو "نتاج إسلامي لمفكر أكثر تقدماً من أبيلار" (ص 116)، مع معالجة مسألة الفلسفة من حيث قبوله ورفضه وأثر ذلك على حركية المعرفة وتطورها، "وقد كان العلماء المسلمون رجال فكر عالميين يمثلون جماعة دينية ذات طموحات عالمية... وكان لتسامحها مع الديانات المختلفة أثر بعيد لاستقطابها للعلماء على اختلاف عقائدهم وأعراقهم" (ص 118).

دولة الأدب (1500-1800م)

أشار الكتاب إلى أن الإنسان متوسط الثقافة قد لا يعرف شيئاً عن "دولة الأدب"، والتي تعني "مجتمعاً دولياً للمعرفة يتواصل بعضه ببعض عن طريق الرسائل المكتوبة بخط اليد، وفي مرحلة لاحقة بواسطة الكتب والمجلات" (ص 122)، ويعود نموذج دولة الأدب إلى الخطيب الروماني "شيشرون" (106-43 ق م) والذي كان يتابع دراسته ويراسل أصدقائه لا لمجرد الحياة الفكرية فحسب بل ليطور مهاراته الخطابية والسياسية، وقد دخل مصطلح " دولة الأدب" الفكر الغربي في أواخر القرن 15 الميلادي، وقد أكد الكتاب على أن "التنوع الأوربي" وليس "التوحد" كان سبباً للازدهار ، حيث أن ذلك التنوع قد حما بعض الممارسات المعرفية  الجيدة من أن تصاب بالانهيار التام بسبب أحداث سياسية وفكرية في هذا البلد الأوربي أو ذاك، لاسيما أن الدين المسيس قد مزق أوربا، لتجئ دولة الأدب كراعية للمعرفة ومطور لها، مع الاعتراف بالمولد أو الجنس أو الوضع الاجتماعي أو الدرجة الأكاديمية. ومع أنه لا توجد أرقاد دقيقة لحجم دولة الأدب، إلا أن الكتاب أشار إلى دولة الأدب كانت تضم 600 مشارك في إيطاليا وألمانيا وبحلول عام 1690 شارك أكثر من 1200 في شمال أوربا، وقد سجل في مكتبة دولة هامبورغ 6700 شخص كانوا يتبادلون مراسلات علمية لامست 35000، وقد ِأفلحت دولة الأدب في اختراق الأجيال بعد أن أفلحت في اختراق الحدود.

 

 

فروع المعرفة (1700-1900م)

"ولّدت حركة التنوير Enlightenment   أول سوق جماهيرية غربية للمعرفة ومعها التخصصات في العمل الفكري" Disciplines ، مع الإشارة إلى أن أدم سميث – في كتابة ثروة الأمم 1776م-  قد أكد على أهمية التخصصات وأن "المعرفة سلعة" (ص 155)، وقد اتجهت حركة التنوير إلى نشر "الكلمة المكتوبة" مع استخدام لغة ميسرة طلباً للانتشار بين الجماهير، ولم تكن الجامعات الغربية آنذاك مكان جذب لرواد التنوير لإحياء المعرفة، وقد تتبع الكتاب حركة تطور المعرفة ونقلها عبر حركة التنوير وتعميق فروع المعرفة، ولم يكن التتبع مقتصراً على العالم الغربي، بل تعداه ليشمل الهند وإسهامات "حكماء الهنود".

المختبر (1770-1970م)

افتتح الكتاب حديثه عن المختبر بحادثة حصول الزوجين "ماري سكلودوسكا" و"بيير كوري" على جائزة نوبل مناصفة مع "هنري بيكريل" في مجال الفيزياء النووية في أوائل القرن العشرين، وقد اشار الكتاب إلى أن التزاوج بين العائلات المتميزة علمياً أحداث ظاهرة في التاريخ الأوربي، وما يعكسه ذلك من إسهام حقيقي للمرأة، ومن ذلك إسهامات "ميليفا ماريتش" - وهي زوجة أينشتاين – عبر المختبرات العلمية. وقد أكد الكتاب على أن المختبر قد "هرّب التقنيات الحرفية إلى فروع معرفية أكاديمية" (ص 192)، مع تزايد قدرة العلماء على التحكم بالحياة وتحسين طرائقها بعد أن أتقنوا التحكم في التجارب المعملية، مع اتصاف النتائج المعملية بموثوقية عالية. وقد استعرض الكتاب حركة فعالة لفكرة دولة الأدب في حقبة تطور العلوم المعملية والتجارب المختبرية في حقول متعددة كالكيمياء وتجارب "جوستوس ليبيغ" التي أدت إلى اكتشاف الكيمياء العضوية بالإضافة إلى تجارب "باستور" الشهيرة في "التخمر الكحولي" وغيرها، مع التعريج على تجربة وكالة "ناسا" وسجلها الكبير في حقل التجارب.

 

وفي ختام الكتاب أعاد المؤلفان التأكيد على أهمية المختبر في خلق "مجتمع المعرفة"، مع التشديد على قيام الجامعات بتنفيذ "أبحاث أساسية" – نظرية – على "أن تترك تطوير نتائج هذه البحوث وتسويقها لمؤسسات أخرى" (ص 236)، مع الإشارة إلى وجود إغراء كبير ومتزايد من قبل الشركات للعلماء وسحبهم من بساط الجامعة، مما جعل المكتبة والفروع المعرفية بجانب المختبرات المؤسسات الأساسية للمعرفة في العالم الغربي، وتبقى – بحسب آخر مقاطع الكتاب – "المهمة الملقاة على عاتق الأجيال القادمة تتجلى في تأكيد أن قيم المختبر الذي يُجري تجارب دون توقف، والمساواة الديموقراطية، والإصلاح الاجتماعي، لا يمكن جعلها مؤسساتية إلا بمعانيها الواسعة والإنسانية الحقة" (ص 245).

سؤال: ماذا عن "مجتمع المعرفة" في عالمنا العربي والإسلامي؟كد أكد

  

     المصدر: الجزيرة نت، المعرفة، 7/7/2010 م

 

 


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: