إضاءة كتاب

                                                                 القرن 21 .. قرن أوربي؟


                                                                                           د. عبد الله البريدي

 

ألا تعتقدون أننا - معاشر العرب - بحاجة ماسة إلى التعرف على أسرار توحد شعوب وقبائل أوربا؟ ألا ترون أن ذلك التوحد يدعونا إلى التأمل أكثر في تلك التجربة الفريدة لا سيما أن الشعوب الأوربية خاضت حروباً شرسة راح ضحيتها الملايين وترسخت الكراهية فيما بين الأوربيين خلال فترات متطاولة، وعلى الرغم من ذلك كله تفلح أوربا في تخطي كل العوائق نحو (وحدة أوربية مدهشة)؟

أصدر (مارك ليونارد) كتاباً هاماً يتلمس فيه بعض أسرار الوحدة الأوربية والتي ستمكن الأوربيين من تبوء مكان الصدارة في القرن الحادي والعشرين وذلك من وجهة نظره، ويعمل ليونارد مديراً لقسم السياسة الخارجية في مركز الإصلاحات الأوربية مع اهتمامات خاصة بملف العلاقات مع (الشرق الأوسط) والصين، والكتاب مفيد على الرغم من احتوائه على بعض المزاعم العارية من الأدلة، ومن ذلك أن أوربا أفلحت في إخراج دول من إسار الاستبداد إلى واحة الديموقراطية!!

يذهب ليونارد إلى أن الميزة الذهبية لأوربا أنها (تؤمن بالمؤسسات الدولية وسيادة القانون) (ص 7)؛ مقارنة بأمريكا التي ترى أوربا بأنها قد وقعت في هوس الأطر القانونية (تقع القوانين الأوربية في نحو 80 ألف صفحة) مع انصرافها عن تقوية عضلاتها العسكرية، ويعتقد ليونارد أن اشتغال الأمريكان بالجانب العسكري ضرب من (ضعف القوة) لما لذلك من انعكاسات خطيرة في مجال الاقتصاد والإنتاج، بل والتفكير، ذلك أن أمريكا المتعسكرة تعيش في عالم تعد فيه كل دولة مستقلة عدواً محتملاً، بخلاف أوربا التي ترى أن كل دولة صديق محتمل؛ مع التركيز على الأطر القانونية، وتحريك عجلة الاقتصاد التي تخلق صداقات وشراكات وفضاءات جديدة!

ويشير ليونارد إلى أن دول الاتحاد الأوربي قادرة على إحداث (تغيير أبدي) في الدول التي تتعامل معها أو تدور في فلكها، مع وجود جاذبية متنامية للنموذج الأوربي في كثير من المجالات، ويصف ذلك النموذج ب (قوة الضعف) مقابل (ضعف القوة الأمريكية)، ويضرب لذلك النوع من التغيير الجوهري الذي يحدثه الأوربيون عدة أمثلة منها أن روسيا وقّعت اتفاقية قانونية مع الاتحاد الأوربي لحماية البيئة من ثاني أكسيد الكربون وغيَّرت بولندا سياسة التعامل مع الأقليات العرقية.

ويرى ليونارد أن إخراج أوربا من (قبضة التاريخ) لم يكن بأيدي السياسيين الذين كانوا مولعين بالحروب وإشعالها (أمثال تشرشل وديغول)، بل كان بأيدي طبقة من (التكنوقراط) الذين يمتلكون رؤية إصلاحية، ومن أبرزهم المسئول الفرنسي (جان مونت)، وقد أشار ليونارد إلى أن مونت لم يضع رؤية تفصيلية صارمة من البداية، حيث وضع مونت رؤية مؤسسة على الخوف من الصراع واعتبار ذلك دافعاً للوحدة، تاركاً الأهداف التفصيلية تتشكل بحسب المعطيات الواقعية وقد جعل مونت كل شخص يشعر بأن أوربا تسير بالوجهة التي يحبها! مؤكداً على أن أوربا رحلة ليست لها محطة نهائية، وقد أطال المؤلف في شرح طريقة مونت بخلق الأفكار وتطويرها لدى الأفراد والجماعات، هذه الطريقة بما يسميها مونت ب (مشية الحلزون)!

وقد أوضح ليونارد كيف نجح الأوربيون في التعاطي مع إشكالية الهوية، وكيف استطاعوا أن يخلقوا (هوية أوربية مشتركة) مع الحفاظ على (الهويات الفرعية)، وشبّه أوربا بشركة لا يملكها أحد بعينه (وذكر شركة فيزا كارد كمثال على ذلك)، وقد عرّج على بعض الأطر التنظيمية لاجتماعات الاتحاد الأوربي، فمثلاً يجتمع الرؤساء أربع مرات في السنة، وتعقد هيئات المجلس الأوربي ما بين 80-90 اجتماعاً سنوياً، كما أن ليونارد أماط اللثام عن (دهاء) الأوربيين في التفاوض، فأحياناً يفاوضون من خلال الاتحاد الأوربي، وأحياناً يلجئون الطرف الآخر إلى التفاوض مع 25 دولة (وحش ذو خمسة وعشرين رأساً كما يقول المؤلف)، وذلك بحسب ما يقتضيه الحال، وقد وضع العديد من الشواهد التي تدل على ذكاء تلك الطريقة في تحقيق الأهداف وتجنب المصاعب والإحراجات!! ويناقش المؤلف توسع الاتحاد الأوربي ليضم 50 دولة والسيناريوهات المحتملة في ذلك؟

الكتاب: لماذا سيكون القرن 21 قرناً أوربياً
المؤلف: مارك ليونارد Mark Leonard، ترجمة: أحمد محمود عجاج
الناشر: كلمة بالتعاون مع العبيكان، 1430هـ.

 

المصدر: جريدة الجزيرة السعودية، 30-10-2009


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: