الفيل والتنين

صعود الهند والصين ودلالة ذلك لنا جميعاً

 

  عبدالله البريدي

 

الفيل والتنين - صعود الهند والصين ودلالة ذلك لنا جميعاً

تأليف: روبين ميريديث - ترجمة، شوقي جلال

عدد الصفحات:355

الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت (عالم المعرفة) 2009م

 

أصدرت Robyn Meredith المتخصصة في الشأن الهندي والصيني هذا الكتاب بنسخته الإنجليزية في عام 2007م، أي قبل الأزمة المالية العالمية، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك لم يفقد قيمته ، نظراً لعمق التحليل وشموليته للعوامل البنيوية التي تعكس الكثير من الأسباب التي تفسّر صعود كل من الهند والصين، والكتاب تحتشد فيه التحليلات والرؤى والإحصائيات والقصص والتواريخ ذات الدلالة الاقتصادية والسياسية والثقافية، وهو بذلك يستفزنا على التعليق على كثير من النقاط الورادة فيه، غير أن العرض المختصر يجعلنا نكفّ عن ذلك؛ مكتفين باستعراض بعض المحاور الهامة في هذا الكتاب، مع تثبيت بعض الإشارات أو الأسئلة، لاسيما أن الكتاب يمتاز برشاقة الأسلوب والإمتاع في العرض وطرح الأفكار (مع الإشادة بجودة الترجمة وتميزها).  

 

فتحت الصين أبوابها على مصاريعها للعالم الخارجي في العام 1978م ، وهو ما لم تفعله الهند إلا في العام 1991م، ومن ثم بدأت حظوظ الدولتين في التغير. وبعد 25 سنة من تلك "الإصلاحات الاقتصادية" زادت الدخول في الصين إلى الضعف مقارنة بالهند، وفي 2003م تجاوز 87% من الصينيين خط الفقر المقدّر بدولار في اليوم، بينما لم يتجاوز سوى 69%  من الهنود. واستثمرت الشركات الأجنبية 7.5 بليون دولار في الهند خلال السنة المالية المنتهية في 2006م، بينما يستثمر المبلغ نفسه في الصين كل ستة أسابيع. وهكذا يتحرك اقتصاد الهند بطيئاً متثاقلاً، بينما تحلق الصين في السماء على طريق المستقبل (ص 16-17).

وبعد ذلك الانجاز الصيني المدهش، تتساءل المؤلفة: كيف كان ذلك؟ الهند مجتمع ديموقراطي متنوع الثقافات واللغات، ويتحدث أغلبية سكانها الإنجليزية، وبها نظام قضائي راسخ ومستقر، وتربطها بالغرب روابط كثيرة لا حصر لها، وكل هذا بعكس حال الصين. ولكن ثمة شيئاً واحداً مشتركاً بين البلدين: وهو أن تحولاتهما والطريقة التي سيحولان بها الكوكب حدث يذهل العالم الذي لم يسهد مثله منذ ظهور أمريكا على مسرح الاقتصاد العالمي. وهنا تشير المؤلفة، إلى أن الكتاب يحكي قصة تغيّر الصين والهند، وكيف تغيران مصير العالم  (ص 18-19).

فجأة أصبحت الصين والهند أرضاً خصبة لأصحاب الأعمال، وتسابقوا على الحجز في الفنادق خمسة نجوم ، وإن اضطروا لغسل أسنانهم بمياه معبأة في زجاجات تجنباً للإصابة بأي مرض. وفجأة أيضاً أصبحت إقامة مشروعات الأعمال الغربية في البلدين الأمل الوحيد لشركاتها ، وهنا تؤكد المؤلفة على أن ذلك كان بسبب العولمة التي هيأت الفرصة لملايين البشر لكي يحصلوا على وظائف انتشلتهم من خط الفقر، وتقل مستوى الأجور في البلدين عن عشرة أضعاف الأجور في الدول المتقدمة. وتشدد المؤلفة على أن صعود البلدين ليس بسبب حركة الوظائف عبر البحار، ولكنه تحول بنيوي كبير (ص 20-21).

 

يتكون هذا الكتاب من تسعة فصول:

تتناول المؤلفة في الفصل الأول (أين التقى ماو الطبقة الوسطى، 23-54) الدور الخطير الذي تلعبه الطبقة الوسطى في تحقيق التنمية والتمرد على الدكتاتورية ، وقد تعرضت المؤلفة للمجاعة الكبرى التي واجهت الصينيين لدرجة أنه سجلت حالات عديدة للتهام البشرفي بعض المقاطعات وذلك في عام 1958م، ويقدّر عدد الذين ماتوا جوعاً 30-40 مليون نسمة ما بين عامي 1959-1962م، ثم أوردت المؤلفة قصة اجتماع عدد من الريفيين في إحدى ليالي شتاء 1978م في قرية "شياوغانغ" للخروج عن نسق شيوعية "ماو" والمتمثلة في "المزارع الجماعية"؛ فأعادوا تقسيم الأراضي الزراعية بطريقة تفعّل دور الأسرة مما زاد الإنتاج إلى أربعة أضعاف، وقد هيأت تلك الإصلاحات الزراعية لشرارة التغييرات الكبرى في الصين كما تقول المؤلفة، كما تم التعرض لمفاصل المشروع الإصلاحي الشيوعي لـ "ماو" أو "القائد العظيم"  والذي توفي عام 1976م، وخلفه "دنغ" والذي سمح للفلاحين بأن يدخلوا في مجال الصناعات ليصل عدد المشاريع إلى 22 مليون وذلك بعد 25 سنة من بداية المشروع الإصلاحي، وقد زار "دنغ" العديد من الدول كسنغافورة للتعرف على تجاربهم والإفادة منها ثم شرع في وضع برنامج إصلاحي تدريجي يقوم على الصناعة والتحول إلى اقتصاد السوق تحت لافنة مقبولة سياسياً "اشتراكية ذات خصائص صينية"! ، ثم أعدوا خطة لتحقيق نمو بمعدل 8% سنوياً لتأسيس تنين اقتصادي أبدي، وهو ما حققوه فعلاً، وتعيد المؤلفة التأكيد على أن التدرج كان سبباً رئيساً للنجاح بخلاف مشروع "خورباتشوف" الدعائي الثوري، وقد احتوى الفصل على العديد من المؤشرات والمعدلات الإحصائية الهامة حول العديد من مظاهر التقدم والتنمية.

 

بينما يركّز الفصل الثاني (من دولاب الغزل إلى أسلاك الألياف البصرية، 55-82) على التجربة الإصلاحية الهندية، وتقفز المؤلفة بنا إلى 1991م، وهو عام وصل عدد الذين هم تحت خط الفقراء إلى 230 مليون نسمة، وانهارت الموارد المالية الحكومية، ووصلت إلى حد الإفلاس ، مع مشاكل سياسية خطيرة، فما الذي حدث بعد ذلك؟ بعد اغتيال "راجيف غاندي" في 21-5-1991م، تولى "نارشيما راو" رئاسة الحكومة، وعين العالم الاقتصادي الألمعي والمستقيم أخلاقياً "مانموهان سنغ" وزيراً للمالية، حيث تولى وضع خطة إصلاح اقتصادية واسعة، تضمنت خفض العملة وإلغاء القيود على الواردات ، ووضع حزمة من القوانين والإجراءات لتشجيع الصادرات، مما دفع بصندوق النقد الدولي إلى تقديم قرض بمبلغ بليوني دولار ، وأعلن في الهند عن الاستمرار في إدخال إصلاحات هيكلية ضخمة تقوم على تشجيع الصناعة، ودعوة المستثمرين إلى الدخول في الصناعات التي تملكها الدولة وخفض الضرائب وتسهيل الحصول على تراخيص، وقد تلك الإصلاحات إلى نتائج اقتصادية مذهلة تتمثل في نمو أعلى، وانخفاض كل من  البطالة والتضخم والدين العام واسترداد احتياطي الصرف الأجنبي. وقد اشارت المؤلفة إلى أن الهند قد تأخرت كثيراً في "عزلتها" وبالغت كثيراً في صبغ كل شيء بالاستقلال بعد عصر الاستعمار، كما تعرضت الكاتبة إلى تأثير أفكار كل من "غاندي" و"نهرو" على الثقافة الهندية ، فالأول ركّز على مناهضة الاستعمار بالطرق السلمية مما جعله يؤكد على استخدام المواد والأدوات المحلية، أما الآخر فقد كثّف البعد الشيوعي  وجذر لفكرة الانعزالية، كما تطرقت إلى جهود "جامستي تاتا" في تحقيق الاكتفاء الذاتي والقوة الاقتصادية بدءا من العام 1868م ، ثم عرجت على المفاصل والمشاريع الإصلاحية الهندية، ومنها تجربة "نارايانا مورثي" أو "بيل غيتس الهند" وكيف استطاع أن يؤسس للتقدم الحاسوبي في الهند، كما أشارت المؤلفة إلى أن الهنود بدأوا يحولون أنظارهم نحو الصين بصفتها "ملهماً" لهم وقد ترسّخ ذلك منذ متنصف التسعينيات، كما توجت بزيارة تاريخية لرئيس الوزرء الهندي "فاجبايي" إلى الصين عام 2003م، وقد اعترف الهنود بأن الصينيين قد سبقوهم كثيراً ، إلا أنهم عازمون على الالحاق بهم، كما اعترف الهنود بأن "البنية الأساسية" هي المشكلة الكبرى التي يواجهونها، مما جعلهم يصرفون الكثير من الأموال والجهود لإصلاحها، وفي كلمة لها دلالات هامة ، قال أحد ساسة الهند: الصين قادرة على السير بحركة الإصلاح بشكل أسرع لأن نظامها دكتاتوري. وأنا أقول هذا يعني أن الدكتاتورية إذا كانت مخلصة فإن تحمل بذور مفيدة للإصلاح مع قبحها!!

 

أما الفصل الثالث (صناعة أمريكية، 83-108) فقد استعرضت فيه المؤلفة بعض مظاهر التقدم الاقتصادي كما تناولت بعض المشاكل الكبرى التي تواجهها الصين للمحافظة على ذلك التقدم، وقد ركزت المؤلفة على اتباع الصين لسياسة جذب الاستثمارات الأجنبية مما اسهم في دخول عدد كبير من الشركات متعددة الجنسيات (ومن أكبرها شركة فيلبس، وقد تعرضت لاستراتيجية تلك الشركة بالتفصيل) التي وجدت الصين كسوق يحقق لها: تخفيض التكاليف مع نمو مستمر في العائد، وكمثال على ذلك وفرت الشركات الأمريكية العاملة في الصين 70 بليون دولار في عام 2005م ، ليس ذلك فحسب بل مارست الصين إغراءص شديداً للمستثمر الأجنبي من خلال الاكفتاء بمبالغ ضئيلة كعوائد، فمثلاً جهاز الحاسوب المحمول الذي تصدره الصين بقيمة 700 دولار لا تحصل الشركة الصينية المصدرة إلا على مبلغ 15 دولار فقط ويعود الباقي للشركات الأجنبية، ومن جهة ثانية فإن النمو الاقتصادي في الصين يزيد من قدرة الصينيين على شراء السلع الغربية ، مما ينعش التبادل التجاري ، وقد ناقشت المؤلفة التكاليف الباهضة التي تتحملها الصين مقابل عملية الجذب، ومنها تكاليف تأسيس البنية الاساسية وتحمل المصارف الصينية لقروض رديئة، كما أشارت المؤلفة إلى معالم الفساد المستشري في الصين والذي يتخذ عادة أشكالاً غير مباشرة كالاستعانة بمستشارين صينيين مقابل تسهيل الإجراءات وتسريعها وقد تصل تكلفة ذلك إلى 40% من قيمة المشروع ، مع جهود الحكومة في مواجهة الفساد ومحاربته، كما ناقشت المؤلفة هيكل العمالة في الصين وتأثيرات ذلك على الاقتصاد الصيني.  

في حين أن الفصل الرابع (طريق التوابل عبر الإنترنت، 109-140) تخصصه المؤلفة لتحليل العوامل التي دفعت الشركات الأجنبية (ومنها ميكروسوفت وآي بي إم وجنزال إلكترويك)إلى نقل وظائف ذوي الياقات البيضاء عبر البحار Offshoring وتحديداً في الهند، وأشارت إلى بعض التقديرات التي تذهب إلى انتقال 300 ألف وظيفة أمريكية سنوياً لمدة 30 سنة، وقد شبهت المؤلفة الصين بأنه أصبح "مصنع العالم" في حين باتت الهند هي "المكتب الخلفي" Back Office للعالم، وتشرح المؤلفة كيفية ومراحل انتقال وظائف ذوي الياقات البيضاء إلى الهند مع وجود تأثير حلي لثورة الاتصالات والإنترنت، وذكرت المؤلفة في معرض تحليلها أن الشركات الأمريكية تفاجأت إبان مشلكة عام ألفين بارتفاع مهارات الفنيين الهنود ، مما يؤكد على جودة برامج التعليم للنخبة الهندية، وتشدد المؤلفة على أن الشركات الأمريكية تراجع بشكل مستمر جدول الرواتب ونوعية الوظائف لتحديد أعمال جديدة يمكن أدؤها من قبل الهنود، ومن أبرز المشاكل الخطيرة التي تواجه الهند - بحسب المؤلفة – أن الطلب على الوظائف "منحاز" لذوي الياقات البيضاء ، مما حرم شرائح كبيرة فرصة الحصول على وظائف (نسبة الأمية في الهند 39%)، غير أن هناك اتجاهاً نحو تعزيز قدرات الهند الصناعية من أجل توفير مئات الآلاف من الوظائف لذوي الياقات الزرقاء، وتميز المؤلفة بين إمكانيات الهند في التصنيع مقارنة بإمكانيات الصين.

 

أما الفصل الخامس ( خط التفكيك الإنتاجي، 141-168 ) فيناقش مسألة عولمة التصنيع من خلال القيام بعملية تفكيك لخطوط الإنتاج وتوزيعها على دول متعددة، فمثلاً السيارة تتكون في المتوسط من 5000 قطعة ويتم تجميعها في العديد من الدول، ثم أخذت المؤلفة بالحديث المفصّل عن الفوائد المترتبية على ذلك (انخفاض التكاليف وتسهيل عملية النقل) والجوانب الفنية والإجرائية المتعلقة بتلك المسألة، واستعرضت نماذج ناجحة في ذلك المجال، واشارت المؤلفة إلى أن تفكيك الخطوط لم يعد مقتصراً على السلع بل شمل الخدمات أيضاً وبوتيرة متزايدة، وتناولت بعض الأمثلة كالأفلام والأغاني.

 

وفي الفصل السادس (ثورة الهند الثقافية، 169-214) تكثّف الحديث حول الأبعاد الثقافية في محيط المجتمع الهندي وتضمن مسائل عديدة كالملابس والمرأة والزواج ، كما تعرضت المؤلفة إلى مسألة التعليم مشيرة إلى جودة التعليم في بعض الجامعات، مشيرة إلى أن الكثير من أبناء النخبة كانوا يدرسون في الخارج مما أدى إلى نزيف العقول ، غير أن الانتعاش الافتصادي بدأ يقنع الكثيرين للعودة مرة أخرى، وتقدر الإحصائيات عدد الذين عادوا إلى "بانغالور" وحدها بـ 30-40 ألف خلال عقد واحد، كما لفتت المؤلفة النظر إلى وجود تحول في المزاج الهندي من النمط البريطاني إلى الأمريكي، كما ناقشت المؤلفة مشاكل الفقر والعنف ضد المرأة والتمييز الطائفي والاحتقان الديني ، بجانب افتقار الهند إلى "بنية اساسية حديثة" ، وقد تطرقت المؤلفة إلى بعض التقديرات الهامة ومنها ما يتعلق بالانفجار السكاني ، حيث تشير التقديرات إلى أن الهند ستتجاوز عدد الصينيين في 2030م، غير أن علماء الاقتصاد يتوقعون أن تكون الهند ثالث أكبر اقتصاد بعد أمريكا والصين وستصبح أكبر قوة عاملة في العالم لأن 68% من سكانها سيكونون في سن العمل (986 مليون نسمة)، مما يعيد التأكيد على ضرورة خلق فرص عمل لذوي الياقات الزرقاء، مع الإشارة إلى حزمة الإجراءات التي استخذثت لـ  "تهدئة الفقراء".

 

وقد اتخذ الفصل السابع (ثورة باسم حفل عشاء، 215-244) الأسلوب التحليلي للأبعاد الثقافية في المجتمنع الصيني ، فقد أكدت المؤلفة على أن الانفتاح الاقتصادي لم يحدث تغييرات في البنية الاقتصادية فحسب ، بل جرت إلى تغييرات جوهرية في الفضاء الثقافي، وقد اشارت المؤلفة إلى السلوك الإدخاري باعتباره سمة هامة للصينيين ، مكنتهم من حسن تدبير الأموال وتأمين الأشياء وفق أولوياتها، كما عالجت التغير في أنماط المعيشة نتيجة للتغير في دخول الأفراد في ضوء حديثها عن وجود تفاوت في الدخول مما أوجد فجوة متنامية بين الأغنياء والفقراء،  غير أنه في عام 2025م سيكون هناك 520 مليون صيني قد وصلوا المستوى الأعلى للطبقة الوسطى (5000-12000 دولار)، ثم عرجت المؤلفة على بعض الأبعاد الثقافية التفصيلية كوضع المرأة من حيث العمل والملابس وحفل الزفاف، وتلفت المؤلفة الأنظار إلى ظهور اتجاهات لدى البعض حيال الاهتمام بالشكليات ، فبعض الصينيين يذهبون إلى مقاهي "ستاربكس" لكي ُيروا هناك ، مما يمنحهم شعوراً بالأهمية والمكانة، وقد ناقشت المؤلفة مسألة نزوج الريفيين إلى المدن وأسبابه وتأثيراته بجانب ميل شباب المدن إلى التعليم الجامعي ، وأكدت على تنامي ظاهرة الرغبة في البقاء في الصين على الرغم من الإغراءات الكبيرة وعزت ذلك إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية، إلا أن الأغلبية مع ذلك يرغبون بالعمل في الشركات الأجنبية العاملة بالصين لجودة ثقافتها التنظيمية ، وثمة سبب آخر له دلالة شديدة الأهمية يعزى إلى ترسّخ الشعور بالنزعة القومية ، وذلك كما يعبر بعض شباب الصين حين يرغبون في العمل لدى الأجانب للتعلم ومن ثم نقل معارفهم وخبراتهم إلى الصين، وذكرت المؤلفة بعض المشاكل التي تواجهها الصين كالفساد والتلوث البيئي ونقص المياة الصالحة للشرب وتفضيل الذكور على الإناث لدرجة يقترف البعض جريمة القتل بحق البنات، وقد تناولت المؤلفة حقيقة عدم تغير النظام السياسي بل والثقافة السياسية لدى الصينيين ، الذين يهتمون بكسب الدولار اكثر من اهتمامهم بطلب الحرية السياسية، وقد توقعت المؤلفة حدوث اضطرابات سياسية في المستقبل، مالم تعالح الحكومة ذلك بتغييرات حقيقية، مبدية عدم تفاؤلها بتحول الصين إلى الديموقراطية ، مع أن ساسة الصين يقولون بأن "الصين سوف تنتقل إلى الديموقراطية فور تحقق القدر الكافي من التعليم والثراء"! (ص240).

 

وفي الفصل الثامن (الجيوبوليتيكا ممزوجة بالنفط والماء، 245-284) أعادت المؤلفة تذكيرنا بالدور المحوري لكل من الهند والصين في الاقتصاد العالمي، فقد كانتا في عام 1600م تقدمان أكثر من نصف الناتج الاقتصادي العالمي، وتصدران أشياء كثيرة كالحرير والخزف والشاي والأثاث والتوابل، وفي عام 2006م جاء على لسان "مانهومان سنغ" –ر ئيس وزاء الهند – "كلا البلدين على طريق استعادة مكانهما الأصيل في الاقتصاد العالمي" (ص 246)، وتستعرض المؤلفة بعض الإحصائيات الهامة في هذا الصدد: بحلول 2003م أصبح البلدان يمثلان 20% من الاقتصاد العالمي، وسيرتفع نصيبهما إلى 28% في عام 2030م، وهنالك توقع من قبل بعض العلماء بأن تتجاوز الصين في ذلك العام اقتصاد أمريكا لتصبح الثانية وتكون الهند هي الثالثة. وتذكر المؤلفة أن تقدم الصين والهند المذهل سيجعلهما تهتمان بقضايا كبرى هي: الوظائف والحصول على المزيد منها، والحاجة إلى المزيد من الموارد الطبيعية بسبب الثورة الصناعية ، وزيادة الطلب وارتفاع الأسعار العالمية، وتحديث القوات العسكرية مما يسبّب تغيرات في الجيوبوليتك – الجغرافيا السياسية – و تصدعات متزايدة فيما بين الصين وأمريكا، والتلوث البيئي العالمي، وقد اشارت المؤلفة إلى أن البلدين يكوّنان علاقات شراكة إستراتيجية مع دول أفريقية ولاتينية من أجل الموارد بما فيها النفط ، وقد عضّدت تلك التحليلات بإحصائيات دقيقة.

 

وفي الفصل التاسع والأخير (حافز للمنافسة، 285-320) عرضت المؤلفة للقلق الأمريكي الكبير جراء صعود الصين والهند، بالإضافة إلى تعقد عمليات التنبؤ بما يمكن أن يحدث فعلاً للاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي، مع الإشارة إلى  تردي التعليم الأمريكي وضمور التفكير الإستراتيجي لدى الشركات مقابل الأرباح المرحلية كما عمدت الشركات إلى خفض نفقات البحوث والتطوير والتي تمثل عماد الإبداع والابتكار، وقد اشارت المؤلفة إلى أن ذلك الصعود خلق سؤالاً كبيراً: هل الهند والصين أصدقاء أم أعداء؟ وهل يمثل الصعود خيرً أم شراً على الغرب ؟ ثم أخذت المؤلفة بتحليل العوامل المؤثرة في التجارة البينية بين الصين والهند والغرب وتحديداً أمريكا بما في ذلك العملات واحتياطيات البلدين من الدولار وتدهور مدخرات الأمريكيين وعلاقة كل ذلك بالاقتصاد العالمي وتأثيراته، وتناقش المؤلفة سيناريوهات متوقعة للصعود على الاقتصاد العالمي ، بما في ذلك احتمال توسع الغربيين في نظام الحمائية في الأسواق ، ولمواجهة الصعوبات التي تنجم من الصعود الصيني والهندي دعت المؤلفة أمريكا إلى العناية بالتعليم الجامعي كعامل لتحقيق المزايا التنافسية، ورعاية الإبداع باعتباره الضمانة للمنافسة في المجال التكنولوجي، وتعزيز السلوك الإدخاري، وتعزيز قوة البنية الأساسية للاحتفاظ بوظائف التكنولوجيا المعقدة، واختتمت المؤلفة بالقول بأنه من العسير توقع أي الوظائف ستكون أفضل في المستقبل، وذهبت إلى القول "لعل أكثر الوظائف رسوخاً في الغرب هي وظيفة العرّاف"! (ص 318)، ثم مضت تقول: "ليكن صعود الهند والصين عامل حفز إعداة ترسيخ القدرة التنافسية لأمريكا" (ص 320).

 

المصدر: الجزيرة نت، المعرفة 4/3/2009

 


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: