هل للفساد خصوصية مجتمعية؟
                                                                                                                                  د. عبدالله البريدي

الكتاب: المشاريع الدولية لمكافحة الفساد.

المؤلف: مجموعة من المؤلفين

الناشر: المنظمة العربية لمكافحة الفساد، بيروت، 2006م

أصبحت فكرة مكافحة الفساد من المسلمات التي لا يجرؤ أي طرف على التقليل من شأنها. إضافة إلى ذلك، فإن تبني معظم الهيئات الدولية معالجة هذه المسألة ضمن برامج عملها، قد أدى إلى تجذير وترسيخ الفكرة عالمياً. وضمن هذا الإطار، تم لأول مرة في تاريخ العلاقات الدولية، توقيع معاهدة ُتعنى بمكافحة الفساد عام 2003م... وتمثل هذه الاتفاقية آلية دولية لرعاية التعاون الأممي على النهوض بهذه المهمة) (ص 47).

هذا ما قاله (عامر خياط) - المدير العام للمنظمة العربية لمكافحة الفساد -، في كتاب حديث أصدرته المنظمة ويضم أبحاثاً متعددة لعدد من الباحثين، وفي بحثه راح الأستاذ خياط يعدّد أسباب زيادة العناية بتلك المسألة على مستوى العالم، وبعد ذلك خلص إلى نتيجة هامة تتمثل في أن ثمة (خصوصية) للفساد العربي، وهذا لا يعني تعطيل الأطر الدولية والتجارب العالمية في مكافحة الفساد، ويؤكد خياط على أن المنظمة (تنظر إلى الفساد كظاهرة مجتمعية، متعددة الأبعاد، لها تداعيات خطيرة تهدد سلامة وأمن المجتمع العربي. ومن هذا المنطلق، فإن حصر مسألة الفساد بالشأن العام، وبالذات ضمن نطاق الفساد المالي، لا يلبي تطلعات مجتمعاتنا العربية، كما لا يفي بمتطلبات النزاهة والحكم الصالح)، ويطالب خياط بنظرة شمولية للفساد؛ تذهب إلى أنه (الاكتساب غير المشروع - أي من دون وجه حق - وما ينتج عنه، لعنصري القوة في المجتمع، السلطة السياسية والثروة، في جميع قطاعات المجتمع) (ص 49-50).

ويؤكد مدير المنظمة على أن معالجة فقدان المعايير الموضوعية بخصوص أسس واشتراطات اعتلاء الوظيفة العامة والمواقع القيادية والتطاول على المال العام واستثمار النفوذ والمعلومات وخدمة أصحاب رأس المال بطرق غير مشروعة، كل ذلك يعتبر ضمن نطاق التعريف الشمولي للمنظمة العربية تجاه الفساد في دولنا العربية، وقد شدد على مسألة خطيرة للغاية تتمثل في أن الطائفية والمذهبية والعشائرية والتعصب العربي هي أكبر حاضنات فسادنا العربي.

ومن المدهش بل المبهج أن الأستاذ خياط دعا إلى ابتكار مفاهيم ومصطلحات جديدة للتعاطي ظاهرة الفساد في عالمنا العربي وفهمها؛ نظراً لما تتميز بها من سمات تخصها في أطرها الثقافية والاجتماعية والسياسية. وفي بحث آخر في الكتاب، يشير الدكتور أحمد صقر عاشور إلى غياب المنهجية العلمية في تشخيص الفساد في العالم العربي، مما يتطلب جهوداً مكثفة من قبل المتخصصين. وينبه الدكتور عاشور إلى مسألة يؤكد على أهميتها الكثير من الباحثين المتخصصين في شؤون الفساد، وهي أن الفساد الأكثر ضرورة في مختلف الدول هو ما يسمى ب (الفساد الكبير) Grand Corruption أو (اقتناص الدولة) State Capture، وهو ذلك الفساد الذي يصيب المستويات والأجهزة العليا في الدول؛ مع تسخير النخب لخدمة أهداف تلك الأجهزة والشخصيات النافذة.

ثم يستعرض الدكتور عاشور العديد من المقاييس العلمية في دراسة الفساد وقياسه ومنها: قياس الرأي العام والمدركات، ومؤشر المشاركة في تعاملات الفساد، ومؤشر ضغوط الفساد، والتحليل المؤسسي. ويطرح مدير برنامج إدارة الحكم في الدول العربية(POGAR )، برنامج الأمم الإنمائي ( UNDP) - عادل عبداللطيف - العديد من المسائل التي يتوجب علينا التفطن لها جيداً وعدم التغافل عنها ولعل من أخطرها أن استشراء الفساد في بعض الدول العربية قد يؤدي إلى (تدويل) عملية مكافحة الفساد وبرامج الإصلاح، مؤكداً على أهمية (تعميق مشاركة المواطنين في صنع القرار، وتعزيز الشفافية والمساءلة، والاستناد إلى حكم القانون) (ص 88).

ويتضمن هذا الكتاب القيم أبحاثاً أخر، على درجة كبيرة من الأهمية لكل من: عمر الرزاز، ودانيال كاوفمان، بجانب تعقيبات ثرية لعدد كبير من الباحثين والمهتمين بمسائل الإصلاح ومكافحة الفساد في عالمنا العربي، وعلى كل فالكتاب جدير بما هو أكبر من مجرد القراءة.
 
المصدر: جريدة الجزيرة، 19/11/2009


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: