آفاق في السلوك التنظيمي

(حكاية) نشوء الثقافة التنظيمية!

د. عبدالله البريدي  

 

كيف تتشكّل الثقافة التنظيمية في منظماتنا؟

ثمة خطوات تمر بها أي منظمة تفسر لنا كيفية تشكّل الثقافة التنظيمية، ونعتقد أنه من المنطقي وربما الأسهل لنا أن نتصور عملية نشوء تلك الثقافة كحكاية (رواية)، وأحسب أنه بدهي بأن الحكاية لابد وأن تروى من البداية!

تؤكد الأبحاث العلمية على أن الثقافة التنظيمية تتخلّق معالمها الأساسية في المراحل الأولى من عمر المنظمة. إذن دعونا نتتبع حكاية تشكّل الثقافة التنظيمية منذ ميلاد المنظمة، من خلال الخطوات المنطقية التالية:

1.    تنبثق فكرة جديدة لدى شخص (المؤسس الرئيسي للمنظمة) بإنشاء منظمة جديدة.

2.  يطرح المؤسس الفكرة على مجموعة من الأشخاص ويقنعهم بها (ليكونوا مؤسسين معه أو مساعدين له وذلك بحسب النمط القيادي وطبيعة وحجم المنظمة الجديدة).

3.  تنضج الفكرة بمرور الوقت في رؤوس المؤسسين ويضيفون إليها الكثير من التفاصيل والتي تشمل: تحديد الغرض الرئيسي للمنظمة، ومجالات عملها، وهيكلها التنظيمي المبدئي ونحو ذلك.

4.   يبدأ المؤسسون باتخاذ خطوات عملية من أجل تنفيذ مشروعهم من خلال القنوات المخصصة لذلك مع مراعاة طبيعة المنظمة، وغرضها، والجوانب القانونية، والبيئة الخارجية لها، والموارد المالية والبشرية والتقنية اللازمة.

5.  بتوفر المتطلبات الأساسية،  تبدأ المنظمة أنشطتها في ظل رؤية وقيم وفلسفة مؤسسيها في الهيكلية والأداء واتخاذ القرارات.

طفولة المنظمات وأطوار نموها الثقافي

أشارت حكاية الثقافة التنظيمية إلى مرحلة بداية تخلّق الثقافة في المنظمة، ولعله من المناسب القول بأن تلك المرحلة تشبه إلى حد كبير مرحلة الطفولة الأولى للإنسان، حيث تتشكّل فيها طريقة تفكير الطفل ونمط شخصيته بشكل أساسي. وعلى هذا يمكن تقرير أن ملامح ومفردات الثقافة التنظيمية تتكوّن في مرحلة التأسيس.

 إذن ن المؤكد أن يكون لفلسفة المؤسسين أثر كبير في الثقافة التنظيمية، فإن كان المؤسسون – مثلاً - يؤمنون بالمركزية فإن هيكل المنظمة، وآليات اتخاذ القرارات سيتم بناؤها بطريقة تلجئ كافة العاملين إلى الرجوع إلى الإدارة العليا حتى لو كانت قضية هامشية يمكن لأحد الموظفين إتمامها، فنحن نعرف أن بعض القادة (ومنهم بعض الوزراء ورؤساء شركات كبرى في العالم العربي) يوقعون على طلبات الفراشين للحصول على إجازة اضطرارية لمدة يوم واحد!!. مثل هذا الجمود في اتخاذ القرارات سيكون له انعكاس واضح على الثقافة التنظيمية، حيث لا نتوقع البتة أن يكون المناخ التنظيمي مشجعاً على الإبداع والابتكار والتفكير الريادي في ظل مركزية شديدة ومناخ تنظيمي قاتل! وسيكون الحال مختلفاً تماماً لو كان المؤسسون يؤمنون باللامركزية وبضرورة بناء مناخ تنظيمي إيجابي.          

وقفات مع حكاية الثقافة التنظيمية

من خلال استيعابنا لتلك الحكاية يمكننا تسجيل العديد من الملاحظات الهامة، منها:

§        أن القادة هم الصانعون الرئيسيون للثقافة التنظيمية، ولاسيما في مرحلة التأسيس. لابد أن يفهم الجميع هذه الحقيقة.

§    في مرحلة التأسيس للمنظمة تتشكّل البنية الأساسية للثقافة التنظيمية، وهذا يدفع باتجاه وجوب مراعاة هذه المرحلة والتنقيب في منعطفاتها وحيثياتها إذا ما أردنا فهم الثقافة التنظيمية.

§   يستمر القادة في التأثير الكبير على تثبيت أو تغيير بعض مفردات الثقافة التنظيمية في كافة المراحل العمرية للمنظمة.

§   عند وجود رغبة في إحداث تغييرات في بنية الثقافة التنظيمية أو اتجاهاتها أو أنماطها، فإنه يتوجب علينا إيلاء عناية فائقة لدرجة ونوعية تأثير القادة على تشكّل الثقافة من خلال دراسة وفهم أنماط القادة ومهاراتهم.

§   أسرع وأسهل وأذكى طريقة لإحداث تغيير في أي منظمة هو تغيير قادتها، فمثلاً لنفترض بأنه أريد إيجاد ثقافة الجودة في بعض المنظمات، فإن يتوجب في الحالة البحث عن قادة جدد لتلك المنظمة بشرط اقتناعهم بالجودة، وتعظم الفائدة إن ظفرنا بقادة "يؤمنون" بالجودة كقيمة في الحياة، وليس لأغراض برغماتية أو تتبعا لبعض الموضات أو "الصرعات" التنظيمية!

 

حكمة في السلوك التنظيمي

إن التنقيب في المعلومات التي أثبتها المؤسسون في شهادة ميلاد المنظمة والحيثيات المصاحبة لذلك؛ لا يمنحنا فهماً متعمقاً لثقافتها التنظيمية فحسب، بل ويكسبنا مفتاحاً سحرياً لتغييرها!            

 

 

المصدر:  مجلة التدريب والتقنية، الرياض: المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، العدد 82، نوفمبرسبتمبر، 2005م

 


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: