آفاق في السلوك التنظيمي     

لماذا نهتم بالثقافة التنظيمية؟

د. عبدالله البريدي  

أسئلة محورية حول الثقافة التنظيمية

ثمة أسئلة لابد من الإجابة عليه، ليس ذلك فحسب، بل يجب الاقتناع بها قبل المضي قدماً في تناول موضوع الثقاقة التنظيمية... هذه الأسئلة هي:

·        ما هي الأسباب التي تدعونا إلى إيلاء الاهتمام بالثقافة التنظيمية في منظماتنا؟

·        ما الجديد في مدخل الثقافة التنظيمية؟

·        ألا يمكن أن يكون هذا المدخل موضة إدارية كغيرها من الموضات التي لم تدم طويلاً في ساحتنا الإدارية العربية؟

رائع حقاً ... إن طرح هذه الأسئلة يشي بأننا تجاوزنا مرحلة تقرير أن كل منظمة - مهما كان نوعها - لها ثقافتها المميزة لها عن غيرها ...

ماذا الذي يدعونا فعلاً لكي نهتم بثقافة منظماتنا؟

الحقيقة أننا نستطيع أن نورد العديد من الأسباب التي تبرر بذل عناية خاصة للظفر بفهم متعمق للثقافة التنظيمية في منظماتنا العربية... من ذلك أن  عدداً من الأبحاث العلمية تؤكد بأن الثقافة التنظيمية من أهم العوامل التي تؤثر وبشكل مباشر على مستويات الأداء والفعالية والإبداع والدافعية الداخلية والولاء والانتماء للمنظمة والالتزام بفلسفتها وأنظمتها وقواعدها وإجراءاتها. و يذكر جملة من الباحثين بأن الثقافة التنظيمية من أوضح المؤشرات التي  نفرق من خلالها بين "المنظمات ذات الرؤية" Visionary Organizations وهي تلك المنظمات التي تتطلع إلى تحقيق الريادة والإبداع وبين تلك "المنظمات المفتقدة للرؤية" وهي المنظمات التقليدية التي لا تحسن سوى محاكاة غيرها! 

 ويذكر  باحثون آخرون أسباباً أخرى تدعو وتبرر اهتمامنا بدراسة الثقافة التنظيمية تشمل ما يلي:

1.  أن المنظمات تشهد منذ مطلع التسعينات ثورة ضخمة تمخض عنها تجدد في أشكالها التنظيمية والقانونية، وتنوع شديد في فلسفتها الإدارية وأنماطها القيادية، مما يؤكد على أهمية دراسة الثقافة التنظيمية بغية إحداث التغيير المنشود.

2.  أن المنافسة المتزايدة تضغط باتجاه اتصاف المنظمات بمرونة أكبر، مما يؤدي إلى تلاشي كثير من الحدود التقليدية في الأبعاد التنظيمية والوظيفية والجغرافية، وانبثاق حدود جديدة تنبع من ثقافة القادة أو المدراء.

3.   النجاح في الجهود التنسيقية في محيط السلوك التنظيمي ينبثق من القدرة على إدارة الأبعاد والحدود النفسية-الاجتماعية وحدود الإدراك المتعلق بالتغيير الاستراتيجي، مما يدفع باتجاه دراسة بنية الثقافة التنظيمية باعتبارها الوسيلة لتحقيق تلك الغاية. 

العولمة ترفع أسهم "الثقافة التنظيمية"!

لقد  أضافت العولمة حيثيات جديدة تعزز من أهمية الثقافة التنظيمية. ولإيضاح هذه النقطة يمكننا القول بأن حركة العولمة تتطلب قدراً من التبادل والتفاعل الاقتصادي الذي يلغي الحواجز السياسية والثقافية، فمدير منظمة اليوم (أو المدير العالمي أو الكوني كما يسميه البعض Global Manager ) مطالب بأن يتفهم وبعمق ثقافة المنظمات الأجنبية التي يزمع التعامل معها...هذا الجانب الديناميكي الطبيعي والإيجابي للعولمة... ولكن ثمة جانباًُ أخر يجب التفطن له...

لقد أوجدت العولمة – وما تزال - نوعاً من الاضطراب في المحيط الثقافي، من خلال تبنيها للتسويق القسري لإطار ثقافي معين (ثقافة الرجل الأبيض وتحديداً الثقافة الأمريكية)  ُيراد له أن يكون النموذج الأمثل الذي يتعين تعميمه على سائر المجتمعات. وقد اختلفت استجابة المجتمعات "المستهلكين"، فمنها المجتمعات المستكينة التي قبلت ورحبت "ترحيباً ميكانيكياً"1 بالأفكار والفلسفات الوافدة دون تمحيص، ومنها من أخضع هذه الأفكار والفلسفات لنوع من الاختبارات الثقافية لتحديد مدى صلاحية وشرعية نقلها من محاضنها الأصلية إلى مؤسساتهم ومنظوماتهم المختلفة. وأي كانت درجة ونوعية تلك الاستجابة يكون بدهياً أن الثقافة التنظيمية تلعب دوراً بارزاً في تشكيل أو إعادة تشكيل المنظمات بما يمكنها من البقاء والمنافسة والإبداع في حلبات العولمة، مع الاحتفاظ بالقدر الكافي من البعد العقدي والقيمي والثقافي.

 

حكمة في السلوك التنظيمي

لكي نضمن نجاح خطط وبرامج التطوير في منظماتنا يجب أن نجتهد ونعمل على إحداث حفريات متعمقة في بنية الثقافة التنظيمية… فمن خلال ذلك الحفر فقط نظفر بالكنز الذي نشتري به تغييرنا المنشود … ذلك التغيير الإيجابي الذي يدوم ولا يتلاشى بزوال أشخاصنا…   

 

 


1- مصطلح "الترحيب الميكانيكي بالأفكار" مشتق من مصطلح "النقل الميكانيكي للأفكار" ، وهو المصطلح الذي استخدمه الباحث في بحث آخر له.

 

 

المصدر: مجلة التدريب والتقنية، الرياض: المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، العدد 72، فبراير ، 2005م

 

 



 

 


التعليقات (2)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق

بواسطة غاده الحصني :

شكرا لك دكتور على الطرح الرائع لاهمية الثقافه التنظيميه ، بالنسبه للنقطه اللي اشار له الاخ خالد اعتقد ان بالفعل يوجد منظمة مستمره تندرج تحت المنظمات المفتقده لرؤيه ولكن لايكن لها ان تتطور او تتوسع فهى روتينه لاتتقدم خطوة ومن المحتمل ان تترجع

بواسطة خالد العضيب:

شكراً دكتور عبدالله على هذا المقال ولكن عندي تعليق بسيط على الجزئية التالية (يذكر جملة من الباحثين بأن الثقافة التنظيمية من أوضح المؤشرات التي نفرق من خلالها بين "المنظمات ذات الرؤية" Visionary Organizations وهي تلك المنظمات التي تتطلع إلى تحقيق الريادة والإبداع وبين تلك "المنظمات المفتقدة للرؤية" وهي المنظمات التقليدية التي لا تحسن سوى محاكاة غيرها!)
سعادة الدكتور لقد فهمت من هذا النص ان وجود ثقافة تنظيمة مربتط بوجود رؤية للمنظمة فمتى كان هناك رؤية للمنظمة فهذا كفيل بوجود ثقافة تنظيمة
سعادة الدكتور الا ترون ان هناك منظمات بعيده كل البعد عن مفهوم الرؤية والرسالة بل انها مجرد منظمات روتينية ومع ذلك لها ثقافة تنظيمية واضحة تميزها عن غيرها من المنظمات .
وتقبلوا خالص شكري وتقديري ،،،


أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: