آفاق في السلوك التنظيمي     

 

لماذا نشخص الثقافة التنظيمية؟

د. عبدالله البريدي  

الثقافة التنظيمية والمناخ التنظيمي: فك الاشتباك  

قبل الحديث عن كيفية تشخيص (أو قياس) الثقافة التنظيمية السائدة في منظماتنا، يتوجب علينا فك الاشتباك بين مصطلح الثقافة التنظيمية  Organizational Culture ومصطلح المناخ التنظيمي Organizational Climate ، حيث يخلط البعض بينهما، ويرجع ذلك إلى وجود تباين في الآراء بين الباحثين حول هذين المصطلحين، حيث يذهب بعض الباحثين إلى عدم التفريق بينهما، بينما ترى الأكثرية منهم أن ثمة فرقاً بين هذين المصطلحين، ومن أولئك الباحث الأوربي الشهير إيكفال  Ekvall   الذي يقرر بأن المناخ التنظيمي يعكس "الأنماط السلوكية والاتجاهات والمشاعر المتكررة والقابلة للملاحظة، والتي تصف الحياة في المنظمة"، في حين أن الثقافة التنظيمية تجسّد الأسس الأكثر عمقاً للمنظمة. ويذكر اشفورث Ashforth  فرقاً لطيفاً بين الثقافة التنظيمية والمناخ التنظيمي بقوله: كلاهما يقعان داخل نسق متصل الحلقات Spectrum ، فالمناخ التنظيمي يمثل "الشعور الفردي"، بينما تجسد الثقافة التنظيمية "اللاشعور الجمعي" ، وهذا تفريق ذكي ومتعمق، ويتأسس عليه القول بأن الثقافة التنظيمية تميل إلى كونها ضمنية  Implicit في إطار معتقدات وتقاليد وأعراف وهيكلية المنظمة.

ويرى الكاتب أهمية التفريق بين المصطلحين لاعتبارات كثيرة، من أوضحها أن هذا التفريق ليس نظرياً أو مفاهيمياً أو اصطلاحياً بل يعكس حقيقة التفاعل بين المكون الثقافي المشكل لمناخ العمل داخل المنظمة، وبناء على ذلك يمكننا تقرير أن الثقافة التنظيمية هي المولد الذي ينتج المناخ التنظيمي الذي يشكّل الفضاء الذي يعمل فيه الأفراد ويجسد الهواء الذي يتنفّسون به داخل منظماتهم بجوانبه الإيجابية والسلبية، والمناخ التنظيمي يعكس لنا كمدرين وقادة وباحثين اتجاهات أفراد المنظمة ومستويات دافعيتهم ونوعية أدائهم في مختلف إدارات وأقسام وفروع المنظمة. وباختصار يمكن القول بأن جودة المناخ التنظيمي مؤشر على جودة الثقافة التنظيمية والعكس بالعكس.   

لماذا نقوم بتشخيص الثقافة السائدة في منظماتنا؟

يمكننا تشبيه الثقافة بالكائن الحي من حيث المكونات والخصائص والوظائف، ففي الكائن الحي أجهزة متعددة تؤدي سلسلة من الوظائف والأعمال بكل انتظام ودقة وتكامل... والكائن الحي كما نعلم يتوعك ويصاب بأدواء متعددة، وتظهر عليه علامات ترشدنا إلى وجود تلك الأدواء كالآلام وارتفاع درجات الحرارة، وهذه العلامات تدفعنا إلى تشخيص العلة من خلال طبيب ماهر قبل أن يستفحل المرض ويفتك بالجسد... والثقافة التنظيمية كذلك ... فهي منظومة من الأجزاء التي تؤدي جملة من الوظائف والأدوار ... كما أن الثقافة التنظيمية تمرض من جراء اختراق فيروسات... والمصيبة أن العلامات الدالة على المرض الثقافي ليست محسوسة كالألم وارتفاع الحرارة بل هي ضمنية في أغلب الأحيان، كما أنها تأثيرها قد يتصف بالبطء الشديد ...

ومن هنا فإنه من الواضح أن على الإدارة العليا – بالاستعانة بالباحثين والمتخصصين – أن تقوم بتشخيص الثقافة السائدة في المنظمة من أجل الاكتشاف السريع والذكي للأمراض التنظيمية وتدعيم المناعة التنظيمية التي يكون من شانها بناء مناخ تنظيمي إيجابي، وعملية التشخيص Diagonistic Process يجب أن تكون محكومة بمنهجية علمية.

ويمكن للمنظمة أن تقطف ثمرات يانعة من بستان "التشخيص"، والتي من أهمها: 

1.     تقييم مدى صوابية المنطلقات للثقافة التنظيمية السائدة..

2.     تقييم مستوى شمولية وتكامل الوظائف التي تؤديها الثقافة التنظيمية.

3.     تقييم القابلية الديناميكية للثقافة التنظيمية لتطوير وظائف جديدة تتناسب مع المتغيرات في بيئة المنظمة الداخلية والخارجية.  

4.     تحديد درجة فعالية الثقافة التنظيمية في أداء وظائفها.

5.     اكتشاف أهم الأمراض التي تصيب الثقافة التنظيمية وتسبب حالة من العجز التنظيمي.

6.  تقييم الوضع الديناميكي للثقافة التنظيمية وبالذات ما يمس قدراتها وطاقاتها التجديدية والإبداعية في مجالات البناء والتطوير والتوسعات وتحقيق الريادة.

7.     التأكد من ضبط بوصلة الثقافة التنظيمية صوب الأولويات الاستراتيجية للمنظمة. 

 

 

حكمة في السلوك التنظيمي

المناخ التنظيمي القادح لزناد الإبداع والابتكار والشاحذ للدافعية الداخلية والمدعم للولاء التنظيمي قطافُ... وغراسها الثقافة التنظيمية الإيجابية... 

 

المصدر: مجلة التدريب والتقنية، الرياض: المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، العدد 73، مارس ، 2005م

 

 

 


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: