آفاق في السلوك التنظيمي

 

من يشخّص الثقافة التنظيمية.. ومتى؟

د. عبدالله البريدي  

 

من المسئول عن تشخيص الثقافة السائدة في منظماتنا ؟

عملية التشخيص الدقيق للثقافة التنظيمية مهمة عسيرة للغاية، وتحتاج إلى جهد منظم ضخم تحكمه المنهجية العلمية، والإجابة على سؤال: من يتولى مهمة التشخيص؟، تتوقف على تحديد نوعية التشخيص ودرجة التعمق المطلوبة والهدف من إجرائه. وعلى هذا يمكن القول بأن المنظمات أمام حالتين اثنتين للتشخيص هما: 

1.  تشخيص الثقافة التنظيمية من خلال الإدارة العليا (المدراء أو القادة). يفترض أن تقوم تلك الإدارة  بتشخيص عام للثقافة التنظيمية وبشكل مستمر، ولا يتوقع البتة أن يكون ذلك التشخيص متعمقاً ولا شاملاً لأوجه ومكونات الثقافة التنظيمية، لعدم امتلاك الإدارة العليا للمنهجية العلمية التي تحكم عملية التشخيص. ووصفنا لتشخيص الإدارة العليا بتلك الأوصاف لا يقلل من أهميته، ولا يزّهد به، بل هو على درجة كبيرة من الأهمية حيث يتيح ذلك التشخيص للإدارة العليا التفطن لمسائل الثقافة التنظيمية ويلفت أنظارها إلى كيفية تشكّلها وترسخها، خاصة أن المدراء والقادة يلعبون دائماً دوراً بارزاً في تشكيل ثقافة منظماتهم بجوانبها الإيجابية والسلبية على حد سواء من خلال فلسفتهم الإدارية وأنماط قيادتهم وآلية اتخاذ قراراتهم وتصرفاتهم وأحاديثهم وأولياتهم واهتماماتهم، الأمر الذي يجعل قضية الثقافة التنظيمية أمراً لا يغيب عن نظر الإدارة العليا، مما يساعدها على إجراء بعض الخطوات التصحيحية اللازمة وفي الأوقات المناسبة. ويجب التأكيد هنا على أن الإدارات العليا في عموم منظماتنا العربية تحتاج إلى توعية بضرورة الاهتمام بالثقافة التنظيمية كما أنها تحتاج إلى برامج تدريب مكثف لإتقان المهارات والمعارف العامة التي تمكّنها من إجراء التشخيص العام والدوري للثقافة التنظيمية السائدة واتخاذ القرارات اللازمة.  

  

2.  تشخيص الثقافة التنظيمية من خلال باحثين ومتخصصين في علوم الإدارة والسلوك التنظيمي. ويمتاز هذا التشخيص بأنه تشخيص علمي محكم، يأتي على مكونات ومفردات الثقافة السائدة في المنظمة، وكيفية ودرجة تأثير المدراء والقادة على تشكيلها، وتحديد دقيق للجوانب الإيجابية والسلبية في الثقافة وأسباب تشكلها، مع بلورة نموذج علمي تطبيقي يمكّن الإدارة من تعزيز الثقافة التنظيمية الإيجابية على نحو يبني المناخ التنظيمي المشجع على الإبداع والابتكار، والشاحذ للدافعية الداخلية والثقة الذاتية، والمعزّز للولاء والانتماء التنظيمي. 

 

متى نشخص الثقافة التنظيمية؟

مر بنا أن الثقافة التنظيمية تشبه الكائن الحي في توعكه وإصابته بالأمراض، وهذا التشبيه الدقيق يفيدنا في تقرير أن ثقافة أي منظمة عرضة للتوعك التنظيمي والمرض الإداري، والذي قد يشل جسد المنظمة عن الأداء الفعال وتحقيق الكفاءة. ومن هنا يكون من المنطقي أن نقرر بأن الثقافة التنظيمية بحاجة لأن ٌتخضع لعمليات تشخيص مستمرة Continuous Diagnosis وفق الآتي:

1.     تشخيص عام مستمر تقوم به الإدارة العليا على نحو ما بيناه سابقاً.

2.  تشخيص تفصيلي ينفذه باحثون ومتخصصون في الثقافة التنظيمية، وتنفيذ مثل هذا التشخيص يخضع للوضع الذي تمر به المنظمة، ويمكننا بشكل عام التفريق بين حالات متعددة منها:

أ- أن يكون هناك تشخيص تفصيلي كل عشر سنوات،  وذلك أن الثقافة التنظيمية تتشكل وتترسخ عبر فترات زمنية طويلة نسبياً، ونعتقد بأن تلك الفترة (عشر سنوات) تصلح لأن تكون مؤشراً عاماً على التشخيص الثقافي، وهذه قاعدة عامة تحتمل وجود استثناءات قد تلجئ المنظمة إلى إجراء تشخيص لثقافتها السائدة عند خمس سنوات مثلاً، لاسيما في حالة المنظمات التي تعمل في بيئة يسودها تغيرات ديناميكية كالمنظمات ذات الطابع الثقافي أو الاجتماعي في المجتمعات التي تتمتع بحراك اجتماعي سريع (كالمجتمع العربي). 

ب- تشخيص خاص يتم إجراءه لظروف استثنائية تمر بها المنظمة كما في حالات التغييرات الهيكلية الكبيرة أو الاندماج أو القرارات الاستراتيجية (كتطبيق إستراتيجية التوسع الأمامي أو الخلفي  Forward or Backward Strategy ).

ج- إدخال تقنية جديدة، كما في حالة ما يسمى بالحكومة الإلكترونية وتبني التعليم الإلكتروني في منظمات التعليم والتدريب.

د- وجود تغيير جوهري في الإدارة العليا من حيث الأشخاص أو الفلسفة الإدارية أو أنماط القيادة المتبعة.

 

حكمة في السلوك التنظيمي

القائد الفعال هو من يدعو دوماً طبيباً ماهراً لكي يلقي بسماعته المرهفة على أطراف جسد منظمته... ليشخص نوعية الثقافة التي تسري في عروقها... ليكون قادراً من ثم على تشخيص عللها التنظيمية وأدوائها المختلفة ...    

المصدر: مجلة التدريب والتقنية، الرياض: المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، العدد 74، أبريل ، 2005م

 

 

 


التعليقات (2)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق

بواسطة ام وتين الزهراني:

بالفعل استفدت جيدا واعجبتني الحكمه الاخيره

وانا حاليا اخذت بعض من المعلومات من مقالاتك لاستكمال بحثي جزاك الله خيرا

بواسطة شهرزاد:

شكرا كثيرا على ما تقدمه و المقالات القيمة


أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: