آفاق في السلوك التنظيمي

 

كيف تُشخص الثقافة التنظيمية ؟

د. عبدالله البريدي  

وقفة حول تشخيص الثقافة التنظيمية

عملية التشخيص للثقافة التنظيمية هي في حقيقتها عملية قياس ووصف وتفسير لإحدى الظواهر الاجتماعية والإنسانية التي يكتنفها صعوبات متعددة يدركها الباحثون. وبشكل عام ثمة أسلوبان أساسيان لقياس ووصف تلك الظواهر هما: الأسلوب الكمي Quantitative Approach والأسلوب الكيفي  Qualitative Approach .

فالأسلوب الكمي يعتمد عموماً على نظرية (ضمنية كانت أو صريحة) يستنبط منها مجموعة من الفروض (بشكل ضمني أو صريح) لكي يتم اختبارها من خلال إجراءات محددة تقوم على استخدام الطرق الكمية (الإحصائية والرياضية)، والهدف الأساسي للأسلوب الكمي هو وصف الظواهر الاجتماعية والإنسانية محل الدراسة دون إعطاء أي تفسيرات أو تبريرات للواقع المشاهد، ويعد الاستبيان أهم أدوات جمع البيانات في البحوث الكمية.

أما الأسلوب الكيفي (النوعي) فيستهدف الحصول على ما هو أبعد من مجرد وصف الظواهر الاجتماعية والإنسانية إلى إيجاد تفسير لها في سياقها الزماني والمكاني، ويرى الأسلوب الكيفي أن تلك الظواهر أعقد من أن يتم اختزالها في مجموعة من المتغيرات Variables التي يمكن إخضاعها لقياس كمي مقنن. ومن أهم أدوات جمع البيانات للبحوث الكيفية المقابلات والملاحظة. 

والسؤال الهام الذي يجب طرحه في هذا السياق هو: 

كيف نشخص الثقافة السائدة في منظماتنا؟

ثمة جدل واسع في الفكر الغربي حول الأسلوب الأمثل لقياس كل من الثقافة التنظيمية والمناخ التنظيمي. وقد خضعت قضية الثقافة التنظيمية لدراسات كمية في الأدبيات الغربية، وأعدت لهذا الغرض العديد من المقاييس والاستبيانات، غير أن الأكثرية من الباحثين الغربيين يرون بأن المناخ التنظيمي هو الذي يمكن قياسه من خلال الأساليب الكمية، أما الثقافة التنظيمية لا يمكن قياسه من خلال الأساليب الكمية، بل يتعين استخدام الأساليب الكيفية إذ أن المناخ التنظيمي له مؤشرات يمكن إخضاعها للقياس الكمي، في حين أن الثقافة قضية معقدة حيث تعكس البعد الفلسفي والقيمي الذي تؤمن به المنظمة كإطار يحكم ويوجّه سلوك أفرادها داخل وخارج المنظمة،  الأمر الذي يجعل القياس الكمي يعجز عن الوصول إلى عمق وجوهر البعد الفلسفي والقيمي في الثقافة التنظيمية، ولذلك فهم لا يرون سبيلا لقياس وفهم ذلك البعد إلا بالأسلوب الكيفي.  

ويعتقد الكاتب بوجاهة الرأي الأخير، فالثقافة التنظيمية قضية على درجة كبيرة من التعقيد والتجريد حيث أنها تتطلب قدراً كبيراً من العمق والتفسير للرموز والمؤشرات الثقافية، مما يدفع باتجاه إخضاع  الثقافة التنظيمية لدراسات كيفية متعمقة إذا ما أردنا أن نحصل على فهم متعمق للظاهرة الثقافية في المنظمات بمكوناتها ورموزها وأشكالها وتأثيرها وأساليب تشكلها وطرق تغييرها. أما الأسلوب الكمي فيمكن أن يكون مناسباً فقط كمدخل لفهم مبدئي "سطحي" للظاهرة الثقافية في منظمة معينة بشرط أن تكون هذه الدراسة الكمية مدخلاً إلى  إجراء دراسات كيفية متعمقة تفلح في فك شفرات بنية الثقافة التنظيمية وقراءة طلاسمها وفهم أسرارها . أما الجمع بين الأسلوبين الكمي والكيفي Mixed Methods فهو يحقق التكامل ويمنحنا الفرصة للإفادة من إيجابيات كل أسلوب، لكن الأسلوب الكيفي يجب أن يكون هو المنهج المهيمن على أبحاثنا في مجال الثقافة التنظيمية.

وإذا تقرر ما سبق، فإنه يمكننا وضع بعض النصائح العملية للإدارة العليا في مختلف المنظمات إذا أرادت القيام بتشخيص عام للثقافة السائدة في منظماتها وذلك كما يلي:

1.  يمكن للإدارة أن تتوسع في استخدام أسلوب المقابلات غير المقننةUnstructured Interviews   وان تقوم بتفعيل المقابلات المباشرة مع مختلف أفراد المنظمة في سبيل فهم بعض أجزاء الصورة الثقافية في المنظمة.

2.  صبغ الملاحظة اليومية (الروتينية) التي تقوم بها الإدارة العليا بخصائص الملاحظة العلمية Scientific Observation من الضبط والانتظام والتراكمية.

3.  يفضل قيام أفراد الإدارة العليا بتدوين كافة النتائج المبدئية التي يخلصون إليها من خلال المقابلات والملاحظات، حيث أن لتلك النتائج قيمة وفائدة كبيرة لأي عمل بحثي مستقبلي.

4.  إمكانية استخدام بعض الاستبيانات العلمية التي تحظى بالصحة والثبات Valid and Reliable Questionnaires مع أهمية وجود باحثين يشرفون على عملية الاستخدام والتحليل للبيانات وتفسيرها بشكل علمي.

5.  يحسن بأفراد الإدارة العليا أن يقوموا بتسجيل كافة الأسئلة أو الإشكاليات حول الثقافة السائدة في منظمتهم ليتم نقاشها بشكل مستفيض مع بعض المتخصصين والباحثين.

 

حكمة في السلوك التنظيمي

الإدارة الفعالة هي التي لا تنام عينها ولا تغفل عن تفحص طبيعة واتجاه وأثر الثقافة السائدة في المنظمة على مستويات الأداء والإبداع والولاء التنظيمي من خلال مقابلاتها المباشرة والمكثفة مع أفراد المنظمة وملاحظاتها الذكية حول الأحداث والسلوك والرموز والظواهر الجزئية ذات الصلة بثقافة المنظمة ... 

المصدر: مجلة التدريب والتقنية، الرياض: المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، العدد 75، مايو ، 2005م

 


التعليقات (4)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق

بواسطة د ايهاب قنديل :

جزيتم خيرا استاذنا الكريم
هل يمكن ان ترشدنا لبعض تلك الاستبيانات او الاختبارات التي تقيس الثفافة التنظيمية

بواسطة .....:

تشكر

بواسطة يحيى عبد الرازق :

جزاك الله خيرا على هذه الموضوع الطيب والذي لا شك ان العديد من القيادات في منظماتنا العربية غافلة عنه لاسيما في الوقت الذي تهتم الدول المتقدمة بكل الموضوعات المتعلقة بالسلوك التنظيمي والمورد البشري عامة .ودكتور اذا تفضلت انا بصدد اجراء دراسة احد اهدافها التعرف على الثقافة التنظيمية السائدة فهل يوجد مقياس معين يمكنني الاستعانة به أو اذا تمتلك حضتك اس مقياس محكم يمكنني استخدامه .. ولكم جزيل الشكر

بواسطة محمود:

جزاك لله خيرا موضوع جميل

وخير الكلام ما قل ودل


أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: